الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
هل نملك سياسة خارجية أم مجرد ردود أفعال ؟

بواسطة azzaman

في الدبلوماسية الخارجية العراقية (1)

هل نملك سياسة خارجية أم مجرد ردود أفعال ؟

سامي العسكري

 

هذه هي الحلقة الأولى من سلسلة مقالات تتناول السياسة الخارجية العراقية من زاوية المصالح الوطنية. وتنطلق السلسلة من سؤال أساسي: هل يمتلك العراق رؤية واضحة تحكم علاقاته الخارجية، أم أن هذه العلاقات ما تزال تتشكل في كثير من الأحيان تحت ضغط الأحداث والتطورات الإقليمية والدولية؟

حين تندلع أزمة في المنطقة، أو يتصاعد التوتر بين دولتين مؤثرتين، أو تتغير موازين القوى الدولية، يبرز سؤال يستحق التأمل:

هل يمتلك العراق سياسة خارجية واضحة تحدد كيف يتعامل مع هذه المتغيرات، أم أنه يكتفي بالتكيف مع ما يفرضه الآخرون عليه؟

قد يبدو السؤال قاسياً، لكنه سؤال مشروع في بلد يقع في واحدة من أكثر مناطق العالم حساسية وتعقيداً.

فالعراق يتأثر بصورة مباشرة بالعلاقات الأمريكية ـ الإيرانية، وبالتطورات في الخليج، وبالسياسات التركية، وبالأوضاع في سوريا، وبأسواق الطاقة العالمية. وأي تغير كبير في هذه الملفات ينعكس عليه سياسياً أو أمنياً أو اقتصادياً.

لكن المشكلة ليست في الجغرافيا، فالدول لا تختار مواقعها على الخريطة، وإنما في كيفية إدارة ما تفرضه هذه الجغرافيا من فرص وتحديات.

بين إدارة الأزمات وصناعة السياسة

خلال العقود الماضية، وجد العراق نفسه أمام سلسلة متلاحقة من الأزمات والتحولات الإقليمية والدولية. وفي كثير من الأحيان انصب الجهد الرسمي على التعامل مع تداعيات الأحداث بعد وقوعها أكثر من الانشغال ببناء رؤية بعيدة المدى لكيفية حماية المصالح الوطنية العراقية.

ولا يقتصر هذا الأمر على العراق وحده، فالكثير من الدول تنشغل بإدارة الأزمات. لكن الفرق بين الدول المؤثرة والدول المتأثرة هو أن الأولى تحاول أن تصنع السياسة قبل وقوع الأزمة، بينما تكتفي الثانية بالتعامل مع نتائجها.

وهنا يبرز سؤال جوهري:

هل نتحرك لأن لدينا رؤية واضحة لما نريده، أم لأن الظروف تدفعنا إلى الحركة؟

المصلحة الوطنية أولاً

كثيراً ما ينشغل النقاش السياسي في العراق بالعلاقة مع هذه الدولة أو تلك، أو بالاقتراب من هذا المحور أو الابتعاد عن ذاك، لكن السؤال الذي ينبغي أن يسبق كل تلك النقاشات هو:

ماذا يريد العراق من العالم؟

فالدول لا تبني سياساتها الخارجية على أساس العواطف أو الانطباعات أو ردود الأفعال، وإنما على أساس المصالح الوطنية.

وإذا لم تكن هذه المصالح محددة بوضوح، فإن العلاقات الخارجية تتحول إلى سلسلة من المواقف المتغيرة التي تتبدل بتبدل الظروف والأحداث.

ومن هنا فإن النقاش الحقيقي لا ينبغي أن يبدأ بالولايات المتحدة أو إيران أو تركيا أو الدول العربية، بل بالعراق نفسه: ما هي المصالح التي يريد حمايتها؟ وما هي الأهداف التي يسعى إلى تحقيقها؟

قد يختلف العراقيون في كثير من القضايا السياسية، لكن من الصعب الاختلاف على مجموعة من المصالح الأساسية التي تمثل القاسم المشترك بين الجميع، وفي مقدمتها:

حماية سيادة العراق واستقلال قراره الوطني.

تعزيز الأمن والاستقرار.

منع تحويل العراق إلى ساحة للصراعات الإقليمية والدولية.

تنمية الاقتصاد وخلق فرص التنمية والاستثمار.

بناء علاقات متوازنة مع مختلف الأطراف بما يخدم مصالح العراق.

وعندما تصبح هذه الأهداف هي نقطة الانطلاق، فإن العلاقات الخارجية تتحول من غاية بحد ذاتها إلى وسيلة لخدمة المصلحة الوطنية.

العلاقات وسيلة لا غاية

كثيراً ما يجري تقييم السياسة الخارجية من خلال عدد الزيارات الرسمية أو مستوى العلاقات مع هذه الدولة أو تلك. لكن العلاقات الخارجية ليست هدفاً بحد ذاتها، بل وسيلة لتحقيق مصالح الدولة.

فالعلاقة الجيدة مع أي دولة لا تُقاس بعدد اللقاءات والبيانات المشتركة، وإنما بما تحققه من مصالح ملموسة للعراق وأمنه واستقراره وتنميته.

ولهذا فإن السؤال الصحيح ليس:

مع من يقف العراق؟

بل:

كيف يوظف العراق علاقاته المختلفة لخدمة مصالحه الوطنية؟

الخلاصة

ربما لا يكون السؤال الأكثر أهمية في السياسة الخارجية العراقية هو: ماذا تريد الدول الأخرى من العراق؟

بل سؤال أبسط وأعمق في الوقت نفسه:

ماذا يريد العراق من العالم؟

فالإجابة عن هذا السؤال هي التي تحدد شكل العلاقات والتحالفات والمواقف، وهي التي تميز بين دولة تمتلك سياسة خارجية واضحة، ودولة تكتفي بالتفاعل مع ما يصنعه الآخرون.

ولعل الخطوة الأولى نحو سياسة خارجية أكثر فاعلية تبدأ من الاتفاق على تعريف المصالح الوطنية العراقية، قبل البحث عن أفضل السبل لتحقيقها.

 

 كاتب مهتم بقضايا الدولة

 

 


مشاهدات 27
الكاتب سامي العسكري
أضيف 2026/06/24 - 2:43 PM
آخر تحديث 2026/06/25 - 1:11 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 74 الشهر 23782 الكلي 15899263
الوقت الآن
الخميس 2026/6/25 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير