الزيدي يقتحم عش الدبابير.. عودة الثقة بين الحكومة والشعب
نجم عبد كريدي
في بلدٍ أنهكته سنوات طويلة من الفساد وسوء الإدارة وهدر الثروات، يصبح الحديث عن مكافحة الفساد أكثر من مجرد شعار سياسي أو وعد انتخابي، بل يتحول إلى اختبار حقيقي لمدى قدرة الدولة على استعادة هيبتها وثقة مواطنيها. ومن هذا المنطلق، يبدو أن رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي قد قرر دخول واحدة من أخطر المعارك وأكثرها تعقيداً، عندما فتح ملفات ظلت لعقود تُوصف بأنها "مناطق محرمة" لا يجرؤ أحد على الاقتراب منها.
لقد كان ملف الكهرباء، الذي ابتلع ما يقارب 150 مليار دولار خلال العقدين الماضيين دون أن يحقق للعراقيين خدمة مستقرة تليق بحجم هذه الأموال، بمثابة "عش الدبابير" الحقيقي. فالأمر لا يتعلق بمشروع خدمي فشل هنا أو عقد متعثر هناك، بل بمنظومة متشابكة من المصالح والعقود والصفقات والوسطاء والمتنفذين الذين استفادوا من استمرار الأزمة أكثر من استفادتهم من حلها.
إن قرار فتح هذا الملف وطلب الوثائق السرية المتعلقة به يمثل رسالة واضحة بأن الحكومة الحالية تسعى إلى تجاوز الخطوط الحمراء التقليدية، والانتقال من مرحلة التشخيص إلى مرحلة المواجهة المباشرة. فالكهرباء لم تعد مجرد خدمة مفقودة، بل أصبحت رمزاً صارخاً لحجم الفساد الذي استنزف موارد الدولة وأحبط أحلام المواطنين.
وتشير المعطيات المتداولة إلى أن ما يجري اليوم ليس مجرد حملة اعتقالات عابرة أو إجراءات إعلامية مؤقتة، بل جزء من خطة واسعة تستهدف تفكيك شبكات الفساد المتغلغلة في مؤسسات الدولة. وتقوم هذه الخطة على مبدأ التدرج في الوصول إلى الرؤوس الكبيرة، بدءاً من العناصر الصغرى والمتوسطة وصولاً إلى الشخصيات الأكثر نفوذاً وتأثيراً.
وقد شهد العراقيون خلال الأيام الماضية أولى فصول هذه المواجهة من خلال اعتقال عدد من المتهمين بقضايا فساد، وما تبع ذلك من تحقيقات واعترافات قد تقود إلى الكشف عن حلقات أكبر وأخطر في شبكة المصالح التي استفادت من المال العام على مدى سنوات طويلة.
ويبدو أن الرهان الأساسي للحكومة يتمثل في تحويل هذه الاعترافات إلى أدلة قانونية متكاملة تفضي إلى مذكرات قبض وإجراءات قضائية بحق شخصيات من مستويات مختلفة، سواء كانت سياسية أو اقتصادية أو إدارية، وبما يضمن أن تكون المعركة قائمة على أساس القانون والأدلة لا على أساس التصفيات السياسية أو الحسابات الشخصية.
وفي هذا السياق، يبرز عامل مهم يتمثل في التنسيق بين المؤسسات الحكومية والجهات الرقابية والقضائية، وفي مقدمتها هيئة النزاهة ومجلس القضاء الأعلى، باعتبار أن نجاح أي حملة لمكافحة الفساد يعتمد على وجود منظومة مؤسسية متكاملة قادرة على متابعة الملفات وتحويلها إلى أحكام وإجراءات رادعة.
أما على المستوى الشعبي، فإن المواطن العراقي يتابع هذه التطورات بمزيج من الأمل والحذر. فالأمل نابع من الرغبة العميقة في رؤية الفاسدين خلف القضبان واستعادة الأموال المنهوبة، والحذر نابع من تجارب سابقة شهدت حملات مشابهة لم تصل إلى نتائج حاسمة أو لم تستطع الوصول إلى كبار المتورطين.
لكن ما يمنح هذه المرحلة خصوصيتها هو أن سقف التوقعات ارتفع كثيراً، وأن الشارع العراقي بات يطالب بعدم الاكتفاء بمحاسبة الموظف الصغير أو المسؤول المتوسط، بل بالوصول إلى "الحيتان الكبيرة" التي يعتقد كثيرون أنها كانت المستفيد الأكبر من منظومة الفساد طوال السنوات الماضية.
وفي حال تمكنت الحكومة من تحقيق تقدم ملموس في هذا المسار، فإن المكاسب لن تقتصر على استرداد الأموال المنهوبة فحسب، بل ستشمل استعادة الثقة بين المواطن والدولة، وهي الثروة الأهم التي فقدها العراق خلال السنوات الماضية. فالثقة لا تُبنى بالخطابات، وإنما بالأفعال والنتائج والقدرة على فرض القانون على الجميع دون استثناء.
كما أن نجاح هذه الجهود سيفتح الباب أمام إصلاحات اقتصادية وإدارية أوسع، من خلال توجيه الأموال المستردة نحو مشاريع التنمية والبنية التحتية والخدمات الأساسية، فضلاً عن تعزيز مبادئ الحوكمة والشفافية ومنع تكرار أخطاء الماضي.
إن العراق يقف اليوم أمام مفترق طرق حقيقي؛ فإما أن تتحول هذه الحملة إلى نقطة انطلاق نحو دولة المؤسسات والقانون، وإما أن تبقى مجرد محطة عابرة في سجل طويل من الوعود غير المكتملة. ولهذا فإن الأنظار تتجه نحو ما ستسفر عنه الأيام والأسابيع المقبلة من نتائج وإجراءات.
لقد اقتحم الزيدي عش الدبابير، وفتح ملفات كانت توصف بأنها عصية على الاقتراب منها، لكن النجاح الحقيقي لن يُقاس بحجم الملفات المفتوحة ولا بعدد المؤتمرات الصحفية، بل بمدى القدرة على تحويل هذه المعركة إلى واقع ملموس يشعر به المواطن العراقي في حياته اليومية.
وعندما يرى العراقي أن المال العام عاد إلى خزينة الدولة، وأن الفاسد يُحاسب مهما كان منصبه، وأن الخدمات تتحسن بفضل الأموال المستردة، عندها فقط يمكن القول إن جسور الثقة التي تهدمت بين الحكومة والشعب بدأت تُبنى من جديد، وإن العراق دخل فعلاً مرحلة جديدة عنوانها العدالة والمساءلة وسيادة القانون.