عودة الدولة.. هل بدأ العراق يغيّر قواعد اللعبة ؟
أسامة أبو شعير
في الأيام الأخيرة، شهد العراق تطورات متزامنة في ملفات مكافحة الفساد، وحصر السلاح بيد الدولة، وتعزيز دور المؤسسات القضائية والرقابية، إلى جانب حديث متزايد عن ترسيخ علاقات العراق مع عمقه العربي ومحيطه الإقليمي على أساس الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة. وقد ينشغل كثيرون بتقييم كل خطوة على حدة، أو بعدد القضايا التي تُفتح، أو بالأسماء التي تتصدر الأخبار، لكن هذه التطورات تطرح سؤالاً أكبر من الحدث نفسه: هل بدأ العراق يغيّر قواعد اللعبة، أم أننا أمام جولة جديدة من إدارة الأزمة بأدوات مختلفة؟
منذ عام 2003، لم يكن العراق يفتقر إلى المبادرات أو البرامج أو الوعود بالإصلاح، بل افتقر إلى القدرة على تحويلها إلى قواعد مؤسسية مستقرة. ولهذا، لم تكن المشكلة في نقص الإرادة، وإنما في بقاء البنية التي أعادت إنتاج الأزمات مع كل حكومة جديدة، حتى أصبح الفساد جزءاً من الاقتصاد السياسي، وأصبحت إدارة التوازنات تتقدم على بناء المؤسسات، وأصبح التعامل مع النتائج بديلاً عن معالجة الأسباب.
فالدولة ليست مجرد حكومة تتغير، ولا مؤسسات تعمل كلٌ بمعزل عن الأخرى، بل هي منظومة تؤدي أربع وظائف سيادية لا تستقيم بدونها: فرض القوة الشرعية، وسيادة القانون، وحماية المال العام، واستقلال القرار الوطني. وكلما ضعفت إحدى هذه الوظائف، ضعفت الدولة كلها، مهما بدت مؤسساتها قائمة. ولذلك، فإن ضعف الدولة لا يفسر انتشار الفساد فحسب، بل إن الفساد نفسه يصبح سبباً إضافياً في إضعاف الدولة، كما أن انتشار السلاح خارج إطارها لا يعكس خللاً أمنياً فقط، بل يكشف خللاً أعمق في قدرتها على بسط سيادتها.
نفوذ سياسي
ومن منظور الاقتصاد السياسي، لا تُبنى الدولة بإصدار القوانين وحدها، بل بإعادة تنظيم العلاقة بين السلطة والموارد والمؤسسات. فعندما يصبح الوصول إلى المال العام وسيلة لاكتساب النفوذ السياسي، ويُستخدم النفوذ السياسي بدوره للسيطرة على الموارد، تدخل الدولة في دائرة مغلقة يعيد فيها كل طرف إنتاج الآخر. أما عندما تصبح المؤسسات هي التي تنظم الوصول إلى الموارد وفق القانون والشفافية والكفاءة، تبدأ موازين القوة نفسها بالتغير. ولهذا، فإن بناء الدولة لا يعني فقط مكافحة الفساد، بل إعادة صياغة العلاقة بين السلطة والثروة والمؤسسات، بحيث تصبح الموارد العامة أداة للتنمية لا وسيلة لإعادة إنتاج النفوذ.ومن هذا المنظور، لا تبدو مكافحة الفساد، وحصر السلاح بيد الدولة، وتعزيز استقلال القضاء، والإصلاح المالي والإداري، واحترام العراق لعلاقاته مع عمقه العربي ومحيطه الإقليمي، ملفات متفرقة، بل أبعاداً لمشروع واحد هو إعادة بناء الدولة. فاحتكار القوة الشرعية لا يهدف إلى فرض الأمن فحسب، بل إلى حماية سيادة القانون. واستقلال القضاء لا يقتصر على محاسبة المخالفين، بل يرسخ الثقة بأن القانون يطبق على الجميع. أما حماية المال العام فلا تعني استرداد الأموال فقط، بل بناء منظومة تجعل الاعتداء عليه أكثر كلفة من حمايته. وبالمعنى ذاته، فإن العلاقات المتوازنة مع الجوار العربي والإقليمي ليست ترفاً دبلوماسياً، بل جزء من قدرة الدولة على حماية قرارها الوطني، وتعزيز مكانتها، وتحويل العراق من ساحة لتقاطع الصراعات إلى شريك في الاستقرار والتعاون.
وقد يكون من الإنصاف القول إن بداية هذه المرحلة تحمل سمات تختلف عن بدايات كثير من الحكومات السابقة، ليس لأن النتائج حُسمت، بل لأن تزامن هذه الملفات يوحي بمحاولة للنظر إلى بناء الدولة بوصفه مشروعاً متكاملاً، لا مجموعة ملفات منفصلة. ومع ذلك، فإن التجربة العراقية تدعونا إلى قدر كبير من الحذر؛ فقد شهدت البلاد خلال العقدين الماضيين مبادرات إصلاح عديدة، لكنها اصطدمت بشبكات مصالح متجذرة، وتعقيدات داخلية وإقليمية، حالت دون تحول كثير منها إلى إصلاحات مؤسسية مستدامة.
ولهذا، فإن معيار النجاح لا ينبغي أن يكون عدد القضايا التي تُفتح، ولا حجم الحملات التي تُعلن، بل قدرة الدولة على تغيير البيئة التي أنتجت هذه القضايا. فهل أصبحت العقود الحكومية أكثر شفافية؟ وهل باتت حركة المال العام أكثر قابلية للتتبع؟ وهل أصبحت الرقمنة والحوكمة جزءاً من بنية الإدارة العامة؟ وهل أصبح القضاء أكثر استقلالاً وقدرة على تطبيق القانون؟
ملاحقة نتائج
وهل أصبحت مخالفة القانون أعلى كلفة من الالتزام به؟ وهل باتت علاقات العراق الخارجية تُدار بمنطق الدولة الواثقة من مصالحها، لا بمنطق ضغوط المحاور وردود الأفعال؟ هذه المؤشرات، لا غيرها، هي التي تكشف ما إذا كانت الدولة تعالج الأسباب، أم تكتفي بملاحقة النتائج.ولا يقل دور المجتمع أهمية عن دور مؤسسات الدولة. فالإصلاح المستدام يحتاج إلى قضاء مستقل، وإعلام مهني، ومجتمع مدني فاعل، ورأي عام يرفع الكلفة السياسية والأخلاقية للفساد، لأن بناء الدولة لا تصنعه السلطة وحدها، بل يصنعه أيضاً عقد اجتماعي يحمي القانون، ويعزز الثقة بين الدولة والمجتمع، ويجعل الجميع شركاء في صون المصلحة العامة.ويبقى السؤال الذي سيحكم على هذه المرحلة كلها: هل ما نشهده اليوم هو بداية استعادة الدولة، أم مجرد محاولة جديدة لإدارة الأزمة؟ الإجابة لن تقدمها التصريحات ولا العناوين، بل ستقدمها الأيام والأسابيع والأشهر القادمة، عندما يتضح ما إذا كانت هذه الخطوات ستتحول إلى مؤسسات وقواعد دائمة، أم ستبقى إجراءات مرتبطة بظرف سياسي عابر. فالدول لا تُبنى بالحملات، بل عندما تصبح سيادة القانون أقوى من النفوذ، والمال العام أكثر حماية من المصالح، والقرار الوطني معبّراً عن إرادة الدولة، وعلاقاتها مع عمقها العربي ومحيطها الإقليمي قائمة على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة. عندها فقط لن يكون العراق قد أدار أزمة جديدة، بل سيكون قد بدأ، فعلاً، في إعادة بناء الدولة.