الأسود بين الفوز والخسارة
مشتاق الربيعي
لا شك أن مجرد مشاركة منتخبنا الوطني في نهائيات كأس العالم تُعد إنجازًا كبيرًا يُحسب لكرة القدم العراقية، فهو حلم طال انتظاره لما يقارب أربعين عامًا حتى عاد العراق إلى الظهور في أكبر محفل كروي على مستوى العالم. والوصول إلى هذه المرحلة لم يكن أمرًا سهلًا، بل جاء بعد جهد وعمل وتضحيات كبيرة.
صحيح أن ختام مشوارنا شهد خسارة قاسية أمام المنتخب السنغالي، بطل أفريقيا، إلا أن النتائج وحدها لا يجب أن تحجب عنا حقيقة مهمة، وهي أن منتخبنا واجه مدارس كروية متطورة ومنتخبات تمتلك خبرة طويلة في البطولات العالمية، الأمر الذي كشف بوضوح حجم الفارق في الجوانب الفنية والبدنية والتكتيكية وحتى الذهنية.
ولعل ما يدعو إلى التفاؤل أن منتخبنا خاض مواجهات أمام منتخبات تُعد من نخبة منتخبات العالم. فقد واجه المنتخب الفرنسي، حامل لقب كأس العالم 2018 ووصيف نسخة 2022، والذي يُعد أحد أبرز المرشحين للتتويج بلقب النسخة الحالية، لما يمتلكه من كوكبة من النجوم العالميين الذين يمثلون أكبر الأندية الأوروبية ويُعدون من طراز رفيع في كرة القدم الحديثة. ورغم قوة المنافس، نجح لاعبونا في مجاراته خلال فترات من المباراة، إلا أن بعض الهفوات الدفاعية وعدم التنظيم في اللحظات الحاسمة رجّحا كفة المنتخب الفرنسي. كما واجهنا المنتخب النرويجي الذي يضم أحد أفضل المهاجمين في العالم، إيرلينغ هالاند، نجم مانشستر سيتي الإنجليزي، إلى جانب مجموعة كبيرة من اللاعبين المحترفين في أبرز الأندية الأوروبية. وهذه المباريات أكدت أن الفارق لم يكن في الروح القتالية أو الرغبة، بل في الخبرة، والانضباط التكتيكي، واستثمار الفرص، وهي أمور يمكن تطويرها بالعمل والتخطيط السليم.
علينا أن نتعامل مع هذه المشاركة بعقلية احترافية، بعيدًا عن ردود الفعل العاطفية، وأن تكون فرصة حقيقية لإجراء مراجعة شاملة لكل تفاصيل العمل، بدءًا من إعداد اللاعبين، مرورًا بالجهازين الفني والإداري، ووصولًا إلى تطوير البنية الكروية التي تُخرج أجيالًا قادرة على المنافسة في أعلى المستويات. فالمنتخبات الكبيرة لم تصل إلى القمة بين ليلة وضحاها، وإنما بنت نجاحها بالتخطيط السليم، والاستمرارية، والاستفادة من الإخفاقات قبل النجاحات. لذلك فإن ما حدث يجب أن يكون درسًا مهمًا، لا سببًا للإحباط، بل دافعًا للعمل بجدية أكبر من أجل مستقبل أفضل لكرة القدم العراقية. وسنبقى مع أسود الرافدين في الخسارة قبل الفوز، لأن الانتماء الحقيقي لا يُقاس بالنتائج، بل بالوفاء والدعم في أصعب اللحظات. فالفوز يفرح الجميع، أما الوقوف مع المنتخب عند الإخفاق فهو ما يعكس حب الوطن والإيمان بأن الغد سيكون أفضل، وأن كل كبوة قد تكون بداية لانطلاقة جديدة إذا أحسنّا الاستفادة من دروسها.
وشكرًا لأسود الرافدين على كل ما قدمتموه من جهد وعطاء في هذا المحفل العالمي. قد لا تكون النتائج بحجم طموحات الجماهير، لكن مجرد العودة إلى كأس العالم بعد سنوات طويلة يُعد إنجازًا يستحق التقدير، وكل الأمنيات بأن تكون هذه المشاركة بداية لمرحلة أكثر إشراقًا وتطورًا لكرة القدم العراقية.