الزيدي وإختبار الدولة الأخير
حيدر صبي
حملة الاعتقالات التي يقودها رئيس مجلس القضاء الأعلى، القاضي فائق زيدان، التي طالت عدد من المتخمين بالفساد ، جعلت المشهد العراقي يقف أمام حملة ، يطرح السؤال حولها فيما كانت تقليدية وجاءت لمكافحة الفساد فحسب ، أم كانت بداية ( إعادة تشكيل للعلاقة بين الدولة والطبقة السياسية)؟
منذ عام 2003، ترسخت لدى العراقيين قناعة بأن الفساد لم يعد مجرد انحراف إداري،بعد أن أصبح جزءاً من بنية النظام السياسي، وأن كبار قادة الكتل يتمتعون بحصانة غير مكتوبة تجعل الاقتراب منهم أمرًا بالغ الصعوبة. لذلك، فإن أي حملة تطال شخصيات سياسية أو نيابية بارزة تُقرأ بوصفها حدثاً يتجاوز الإجراءات القضائية إلى اختبار حقيقي لقدرة الدولة على فرض سيادة القانون.
يمكن تفسير ما يجري عبر فرضيتين رئيسيتين.
الأولى، أن الحملة صُممت من داخل المنظومة السياسية نفسها بهدف إعادة ترتيب البيت الداخلي، والتضحية ببعض قادة الصفين الثاني والثالث، مع إبقاء مراكز القرار الكبرى بمنأى عن المساءلة. هنا ووفق هذا التصور، فإن الترحيب الذي صدر من بعض القوى السياسية لا يعكس قناعة بالحملة بقدر ما يعكس اطمئناناً إلى أنها لن تتجاوز خطوطاً حمراء معروفة.
أما الفرضية الثانية، فتفترض أن الحملة تعكس تحولاً أوسع في بنية القرار العراقي، فرضته متغيرات داخلية وإقليمية ودولية دفعت باتجاه استعادة هيبة الدولة وتعزيز مؤسساتها. ولا يعني ذلك بالضرورة أن القرار صُنع خارج العراق، بل قد يكون نتيجة تلاقٍ بين ضغوط خارجية وإرادة عراقية رأت أن استمرار الفساد بات يهدد استقرار النظام نفسه.
لكن، بغض النظر عن الجهة التي دفعت نحو هذه الحملة، فإن قيمتها الحقيقية لن تُقاس بعدد أوامر القبض، وإنما بمدى قدرتها على " كسر مفهوم الحصانة السياسية" ، وتحويل المنصب من وسيلة للحماية إلى مسؤولية قانونية.
فإذا استمرت الإجراءات بصورة متوازنة وخضعت جميع الأطراف لمعيار قضائي واحد، فقد ينعكس ذلك على عدة مستويات.
اقتصادياً، ستتحسن بيئة الاستثمار مع انخفاض كلفة الفساد وارتفاع الثقة بسيادة القانون. وسياسياً، قد تُجبر الأحزاب على إعادة النظر في آليات عملها، وتتراجع هيمنة الزعامات التقليدية تدريجيًا لصالح مؤسسات الدولة.
أما الأثر الأعمق، فهو الأثر النفسي داخل الطبقة السياسية نفسها. فالمسؤول الذي كان يتصرف وهو مطمئن إلى أن منصبه يمنحه حصانة دائمة، سيجد نفسه مضطراً لإعادة حساباته إذا شعر أن المساءلة أصبحت احتمالاً واقعياً. وهذه النقلة، إن استمرت، قد تكون أكثر تأثيراً من الاعتقالات ذاتها، لأنها تغير سلوك السلطة قبل أن تغير وجوهها.
على المستوى الشعبي ، فإن نجاح الحملة سيعيد جزءاً من الثقة المفقودة بين المواطن والنظام السياسي، وهي الثقة التي تآكلت على مدى أكثر من عقدين بسبب الشعور بأن القانون لا يُطبق على الجميع.
فيما انعكاسها الخارجي ، فقراءتها تقول أن العراق الذي يثبت قدرته على فرض القانون سيكون أكثر قدرة على جذب الاستثمارات، وتعزيز شراكاته الاقتصادية، وإقناع محيطه الإقليمي والدولي بأن مؤسسات الدولة أصبحت صاحبة القرار. كما أن تقوية مؤسسات الدولة ( ستحدّ تلقائياً من قدرة أي نفوذ خارجي على التأثير، لأن النفوذ يتوسع عادة حيث تضعف الدولة) .
ويبقى السؤال الذي سيحسم طبيعة هذه المرحلة: هل ستتوقف الحملة عند حدود شخصيات الصفين الثاني والثالث، أم أنها ستصل إلى من اعتاد العراقيون اعتبارهم خارج دائرة المساءلة؟
فإذا كان ما يجري مجرد إعادة ترتيب داخل المنظومة، فسوف تتوقف الحملة عند سقف سياسي معلوم. أما إذا تجاوزت هذا السقف، فإن العراق لن يكون أمام حملة اعتقالات فحسب، قدر انها ستصبح أمام تحول تاريخي يعيد تعريف العلاقة بين الدولة والسلطة والقانون، ويعلن نهاية مرحلة بدأت عام 2003، وبداية مرحلة جديدة عنوانها أن هيبة الدولة تُقاس بقدرتها على محاسبة الأقوياء قبل الضعفاء.