رصاص الفجر وهيبة الدولة
صلاح بكر
تحت عباءة الليل التي سدلت أستارها فوق دجلة الخير لم تكن بغداد تنام ، بل كانت تحبس أنفاسها في فجر هذا اليوم تنفست العاصمة الصابرة صوتاً مغايراً تغلغل بين أزقتها المنهكة. لم يكن دوي الرصاص الخاطف الذي هزّ أسوار المنطقة الخضراء مجرد إشعار بانتشار عسكري مفاجئ، بل كان إيذاناً بزلزال يضرب عروشاً ظن أصحابها أنها محصنة ضد الحساب.
لطالما سارت ذئاب الفساد المالي في وضح النهار، تنهش جسد الدولة بلا رحمة غافلة عن حقيقة أن عواصف العدالة المتأخرة قد تهب في لمحة عين. إن ما شهدته بغداد في الهزيع الأخير من الليل من ملاحقة لكبار الشخصيات المتهمة بنهب مقدرات البلاد، ليس مجرد إجراء أمني عابر، بل هو معركة وجودية توازي في ضراوتها الحرب ضد الإرهاب. فالرصاصة التي تطلقها الجماعات الظلامية لتقتل جسداً، لا تختلف عن القلم المأجور أو اليد المرتجفة التي توقّع على صفقات الفساد لتقتل امة بأكملها وتسرق مستقبل أجيالها.
مع خيوط الفجر الأولى، بدت ملامح الخوف واضحة في عيون من استغلوا نفوذهم بينما استبشر البسطاء خيراً ، فللمرة الأولى منذ سنوات، يشعر العراقي ببارقة أمل في استعادة «هيبة الدولة» المغتصبة. إن تجريد الحمايات، ومداهمة القصور الحصينة، وكسر هالات الحصانة المزيفة، يثبت أن الدولة حين تقرر استرداد كبريائها، فإنها تملك من القوة ما يزلزل الأرض تحت أقدام العابثين.ما زالت بغداد تترقب البيانات الرسمية لتسمية الأشياء بمسمياتها، لكن الثابت اليوم أن صمت الفجر قد كسر وأن قطار المحاسبة قد انطلق ، ليعلن أن الخيانة ببدلة رسمية لا تقل خطراً عن الخيانة بلثام أسود.