الموصل وثورة العشرين.. هل أخفت الرواية التقليدية البعد التنظيمي للثورة العراقية؟
محمد صالح البدراني
مقدمة
ترسخت في الوعي العراقي صورة تجعل ثورة العشرين مرتبطة بصورة شبه حصرية بأحداث الرميثة والنجف وكربلاء وشخصيات مثل شعلان أبو الجون والشيخ ضاري الزوبعي، وقد أسهمت هذه الصورة في تقديم الثورة بوصفها انتفاضة عشائرية واسعة ضد الاحتلال البريطاني، غير أن مراجعة الوثائق البريطانية المعاصرة للأحداث تفتح بابًا لتفسير مختلف، لا ينكر الدور العشائري، لكنه يضعه ضمن إطار سياسي وتنظيمي أوسع ارتبط بنشاط الضباط القوميين العراقيين وشبكات جمعية العهد، التي كانت بقيادة ياسين الهاشمي (اعتقل قبل الأحداث) وجعفر العسكري ونوري السعيد وجميل المدفعي الذي قاد حراك تلعفر بنفسه، يذكر السبعاوي أن فكرة الهجوم على الحامية البريطانية في تلعفر في حزيران 1920 لم تكن حراكاً محلياً معزولاً، بل جاءت تنفيذاً لقرارات الهيئة المركزية لجمعية العهد العراقي(دمشق).
تكشف سجلات المكتب الهندي (India Office Records - IOR/L/PS/10): تحت ملفات "اضطرابات بلاد الرافدين 1920"، تحتوي هذه السجلات على برقيات متبادلة بين حاكم الموصل (الكابتن نالدر) والمندوب السامي في بغداد، يذكر فيها نالدر بأن "المنشورات والرسائل المهربة من الموصل كانت تصل إلى النجف وكربلاء لتنسيق المواقف السياسية".
تقارير الاستخبارات السريّة (Intelligence Reports -الإقليم العراقي): وتجدها تحت الرمز الكودي (FO 371) في سجلات وزارة الخارجية البريطانية، وتحديداً تقارير شهر حزيران وتموز 1920. في هذه التقارير، يربط الحاكم المدني العام "أرنولد ويلسون" مباشرة بين تدفق الضباط الموصلين من جهة تلعفر وبين تحرك عشائر الفرات، محذراً من أن الهدف هو إعلان حكومة موحدة في بغداد.
الموصل مركزًا للنشاط السياسي بعد الحرب العالمية الأولى
عقب الاحتلال البريطاني للعراق وجدت الإدارة الجديدة نفسها أمام واقع مختلف عما واجهته في الهند أو مصر، فقد ضمت الموصل عددًا كبيرًا من الضباط العثمانيين السابقين الذين ارتبطوا بالحركة القومية العربية، كما احتفظت المدينة بعلاقات سياسية وثيقة مع دمشق حيث كانت الحكومة العربية بقيادة فيصل بن الحسين، وواجه الاحتلال صلابة عشائرية عامة اذكر مثلا الجرجرية، شمر البو متيوت البوحمد الجبور والبو بدران وحمد علص الذي ذكر بالوثائق البريطانية كمتمرد وقصفت الجرن بالطائرات والقرى المحيطة بها(تم تسيير طلعات جوية استطلاعية وهجومية فوق مناطق الوديان والقرى الواقعة جنوب الموصل [قاطع الجرن والشورة] لإلقاء القنابل الخفيفة وفتح نيران الرشاشات على التجمعات العشائرية الممتنعة عن التعاون.
وكانت جمعية العهد، التي لعبت دورًا مهمًا في النشاط القومي العربي، تمتلك امتدادات داخل العراق، ولا سيما في الموصل وبغداد، ومن بين أبرز شخصياتها ياسين الهاشمي الذي ارتبط اسمه بتنظيم الضباط العرب منذ السنوات الأخيرة للدولة العثمانية، مع نخبة الضباط التي بنت العراق الرائع لاحقا، لكنه اعتقل بمؤامرة قبل معركة ميسلون وكان حينها رئيس أركان الملك.
لماذا اهتم البريطانيون بالضباط أكثر من اهتمامهم بالعشائر؟
تكشف تقارير الإدارة البريطانية خلال عام 1920 أن القلق لم يكن موجهًا نحو العشائر وحدها، فقد أولت أجهزة الاستخبارات اهتمامًا واسعًا بتحركات الضباط العرب السابقين والناشطين القوميين والاتصالات بين العراق ودمشق.
وهذا أمر ذو دلالة مهمة؛ فلو كانت السلطات البريطانية ترى أن ما يجري مجرد نزاعات عشائرية أو ردود فعل محلية، لما خصصت هذا القدر من المتابعة لشبكات الضباط والتنظيمات السياسية، إن التركيز البريطاني على هذه العناصر يدل على أنهم كانوا ينظرون إلى العراق باعتباره ساحة نشاط سياسي منظم، حتى لو لم يتمكنوا دائمًا من تحديد مركز قيادته بدقة.
انتفاضة تلعفر: أول إنذار حقيقي
في 4 حزيران 1920 تعرضت الحامية البريطانية في تلعفر لهجوم أدى إلى مقتل الميجر بارلو وعدد من أفراد القوة البريطانية وأصبحت البلدة خارج السيطرة البريطانية، وشكلت بها حكومة مؤقتة.
وتعد هذه الحادثة من أوائل المواجهات المسلحة الكبرى ضد الإدارة البريطانية في العراق خلال ذلك العام، كما أنها سبقت اندلاع الثورة الواسعة في الفرات الأوسط، الأمر الذي يمنحها أهمية خاصة في دراسة تطور الحركة الوطنية العراقية، وتمكين العشائر بإشغال القوات البريطانية.
وتشير المصادر المحلية والتركية إلى دور الضابط جميل محمد خليل في قيادة العمليات داخل تلعفر، بينما تركز الوثائق البريطانية على وصف التمرد والإجراءات العسكرية المتخذة لقمعه أكثر من اهتمامها بتحديد القيادة المحلية بدقة.
أغفل العراقيون العلاقة بين الاثنين لكن ذكرت نماذجَ بريطانية أعلاه تتحسس تلك العلاقة.
لماذا لم تتحول الحركة إلى ثورة موحدة منذ البداية؟
هنا تبرز نقطة غالبًا ما أغفلتها الكتابات التقليدية، فالعراق سنة 1920 لم يكن يمتلك دولة وطنية أو جهاز اتصال مركزي أو قيادة سياسية تعمل بحرية، وقد تعرضت الشبكات القومية إلى ضغوط شديدة نتيجة الاعتقالات والمراقبة البريطانية، كما أدى انهيار الحكومة العربية في دمشق إلى إضعاف الروابط التي كانت تجمع كثيرًا من الضباط العراقيين، ولهذا ظهرت المقاومة في صورة انتفاضات متعاقبة لا في صورة ثورة مركزية تنطلق بأمر واحد من قيادة واحدة.
العشيرة والتنظيم السياسي: شراكة لا تناقض
إن الخطأ الشائع في قراءة ثورة العشرين يتمثل في تصويرها وكأنها كانت إما ثورة عشائرية خالصة أو حركة سياسية نخبوية خالصة، فالواقع أن نجاح الثورة نتج عن التقاء العنصرين معًا.
فالعشائر وفرت القوة البشرية والسلاح والقدرة على السيطرة الميدانية، بينما وفر الضباط القوميون والنخب السياسية فكرة الاستقلال ومشروع الدولة العراقية والروابط الفكرية بين مناطق البلاد المختلفة، ومن دون هذا التفاعل يصعب تفسير انتقال الاضطرابات من الشمال إلى الوسط ثم إلى الفرات الأوسط خلال فترة زمنية قصيرة نسبيًا.
خاتمة
سأجري بحثا كبيرا فالمقال لا يوضح بإنصاف، لذا فما طرحته اليوم مجرد دعوة لإعادة قراءة التاريخ والتخلي عن فكرة المباهاة، إلى حقيقة تنظيم النخبة فالضباط الذين قادوا مملكة العراق لم يكونوا إلا ثوارا وعندهم رؤية ووطنيون مخلصون نجحوا في تشكيل دولة، وهم ضرورة استجاب لها الواقع، وان الفائدة ببناء علاقات إيجابية مع الدول الصناعية تنتج استقرارا وفائدة للطرفين، فالمدنية نتاج الإنسان وليس قوما معينون.