هاشتاك الناس
وطن ساعة من ألماس
ياس خضير البياتي
في وطنٍ يُدار فيه الوقت بعقلية «كل دقيقة لها سعر… وكل تأخير له تفسير»، لم يعد السؤال: كم الساعة؟ بل أصبح: من يملك الحق في إضاعة الوقت ومن يبيعه بالتجزئة؟هنا، الساعات لم تعد أدوات قياس، بل بطاقات هوية سياسية واجتماعية واقتصادية. وكل معصم أصبح بيانًا غير رسمي لميزانية دولة مصغّرة.
ولأننا نعيش في زمن الشفافية الفاخرة، لم يعد من الضروري البحث كثيراً في تفاصيل الواقع لكي نعرف كيف يُدار الزمن في بلادنا. يكفي أن نتأمل معاصم بعض ساسة هذا البلد، حيث تستقر ساعات نادرة من الذهب والألماس، تحمل أسماء عالمية لامعة، وتصل أسعار بعضها إلى عشرات أو مئات الآلاف من الدولارات، بل وتتجاوز في بعض الأحيان نصف مليون دولار.
هناك ساعات تُصنع من الذهب الوردي، وأخرى بإصدارات محدودة لا تظهر في الكتالوغات العادية، وثالثة معقدة إلى درجة أن الزمن نفسه يحتاج إلى دورة تدريبية لفهم وظائفها. بعضها يقيس حركة النجوم والقمر، وبعضها يحسب أدق أجزاء الثانية، وكأن أصحابها يعيشون في دول تخطط للمستقبل بالدقيقة والثانية.
والمفارقة أن هذه الساعات الفلكية الفاخرة تلمع فوق معاصم مسؤولين في بلد ما زالت فيه مشاريع كثيرة تبحث عن ساعة انطلاق، وما زالت معاملات المواطنين تُقاس بالأيام والأسابيع والشهور. فالساعات تعرف مواعيد الكسوف والخسوف بدقة مذهلة، لكن أحداً لا يعرف موعد اكتمال مشروع متعثر أو إنجاز خدمة مؤجلة.
في الدول التي تحترم الوقت، يصبح الزمن مشروعاً للتنمية. أما عندنا فقد أصبح الزمن قطعة مجوهرات. هناك تُقاس قيمة المسؤول بما ينجزه، وهنا أصبح بعضهم يُقاس أحياناً بما يضعه في معصمه.ولذلك لم تعد الساعة تسأل: كم الوقت؟ بل أصبحت تسأل سؤالاً آخر أكثر إحراجاً: كم تبلغ المسافة بين حياة المواطن العادي وحياة من يحكمونه؟
في هذه البلاد، المشكلة ليست في الأسماء، بل في «الترتيب الزمني للأولويات»: المواطن ينتظر دوره في الحياة، بينما آخرون يرتبون ساعاتهم حسب سعر الضوء المنعكس من الألماس. الساعة هنا لم تعد تقول « كم الوقت» ؟، بل تقول بصوت واضح جدًا: “أنت في أي طبقة من البلد؟”
في الدول التي ما زالت تعتبر “الوقت” مادة قابلة للاستثمار في الإنسان، يتفاخر المسؤول هناك بعدد المدارس التي افتتحها، وبعدد المستشفيات التي أنقذت حياة، وبمشاريع البنية التحتية التي تجعل المواطن ينسى معنى الانتظار الطويل في طابور الخدمات.
هناك، تُقاس القيمة بما يُنجَز على الأرض: كم طفل دخل مدرسة جديدة؟ كم مريض وجد سريرًا؟ كم مدينة خرجت من الظلام؟أما في هذا الطرف من العالم، فقد جرى استبدال “منطق الإنجاز” بمنطق آخر أكثر لمعانًا: منطق العرض.
في العراق، لم يعد السؤال السياسي: ماذا قدمت؟ بل أصبح: ماذا ترتدي؟ وماذا تقود؟ وكم ساعة في معصمك تعادل رواتب قرية كاملة؟تحوّل الخطاب من “بناء الدولة” إلى “بناء الصورة”، ومن “إصلاح التعليم” إلى “إتقان الوقفة أمام الكاميرا”.
المفارقة القاسية أن المسؤول الذي يتحدث عن التنمية قد يقف أمام مدرسة بلا أبواب، أو مستشفى بلا أدوية، ثم يرفع معصمه ليُظهر ساعة من الذهب الوردي، كأنها وثيقة رسمية تثبت أن الواقع بخير… فقط لأن المعصم بخير.
وفي بلدٍ تتآكل فيه الخدمات الأساسية، تتقدم فيه «ثقافة الكشخة» كبديل غير معلن عن ثقافة الدولة.سيارات الدفع الرباعي الفارهة، ساعات الألماس، حفلات الاستعراض، صور «الإنجاز» المصممة بعناية… كلها أصبحت لغة سياسية جديدة، تُخاطب الجمهور بلغة واحدة: “انظروا كم نحن ناجحون”، حتى لو كان الشارع يقول العكس تمامًا.
في المقابل، يقف المواطن خارج هذا العرض الكبير.طفل يجلس على مقعد خشبي مكسور في مدرسة مزدحمة، مريض ينتظر دورًا قد لا يأتي، شاب يبحث عن فرصة عمل كأنها أثر تاريخي مفقود.بينما في الأعلى، تُدار طبقة أخرى من الحياة، حيث تُقاس المكانة بعدد السيارات، لا بعدد الحلول.
الأخطر من الفساد نفسه هو تحوّل الفساد إلى ذوق عام: أن يصبح الاستعراض معيارًا، وأن تصبح “الكشخة” لغة حكم، وأن يتحول البذخ إلى خطاب رسمي غير معلن عن النجاح.
وهكذا، حين خرجوا من الفقر لم يتركوه خلفهم… بل ارتدوه على شكل ساعات ألماس وسيارات فارهة.
فصار الفقر القديم يعيش في المعصم، بينما الوطن ينتظر على الرصيف.
yaaas@hotmail.com