قميص على عتبة الذاكرة
حسين عباس
في زاوية الغرفة، جلست ولاء تُطوّق القميص العسكري بين ذراعيها، تشمّه كأنها تبحث عن بقايا صوته، عن أثر جلده، عن شيء يُثبت أنه كان هنا.
أخوها، الذي رحل للحرب ولم يعد، صار اسمه يُهمَس في البيت وكانه طلسم، صار وجهه صورة مؤطرة فوق الرف، وذكرى لا تملك الشجاعة لتواجهها.
كل مساء، كانت تسمع وقع خطواته، أو تظن أنها
سمعها.
حين تغفو أمّها، تُلقي ولاء بنفسها عند الباب، تهمس:
- "أخي، عدتَ؟"
كن الريح وحدها هي التي تعبر.كانت ولاء عاجزة عن التعبير.حين تسألها صديقتها:
- "كيف حالكِ؟"
تضحك ولاء ضحكة قصيرة، تقول:
- "بخير
لكن قلبها كان ثقيلًا، يتضخم كغيمة لا تمطر. أمام صورته، تجلس كل مساء تمرّر أصابعها على إطار الصورة، تهمس:
- "اشتقتُ إليك."
لكن الصوت لا يخرج، فقط الدمع، ينحدر خفيفًا، مترددًا، كما لو انه يعتذر عن حضوره.
في الليل، حين تنام الأم وتغلق النوافذ، تفتح ولاء
خزانته.
تُخرج القميص المُلطّخ برائحة التراب والبارود، تضمه إلى صدرها كطفلة ضائعة تبحث عن دفء مفقود.
وفي اللحظة التي يغفو فيها العالم، ترفع عينيها للسماء، تهمس بما لم تقدر أن تقول:
- "أخي... أشتقت إليك."
لم يكن هناك من يسمعها إلا النجوم.
لكنها كانت تعرف أن نجمًا واحدًا هناك، يومض لها
وحدها.