يا أبي.. الوطن يطردنا
محمد ثابت آل غازي
جلسنا سوياً ولم يكن الحوار هذه المرة ككل مرة كان يجلس أمامي الشاب اليافع الذي ما زلت أرى فيه طفلي الصغير لكن ملامحه كانت تحمل ثقل هموم لا تليق بعمره الفتي .. ثماني عشرة سنة قضاها هذا الفتى في محراب العلم من مقاعد الابتدائية وصولاً إلى أروقة كلية الطب في مرحلتها السادسة والأخيرة.. ثماني عشرة سنة من التميز والتفوق المستمر لم يرضى فيها بغير الصدارة بديلاً مدفوعاً بحلم وحيد أن يجد له مستقبلاً زاهراً في بلده العراق يوازي حجم السهر والتعب والتضحيات.
سألته عن الغد عن أحلامه بعد التخرج وعن طموحه وهو يوشك أن يرتدي معطفه الأبيض .. كنت أنتظر أن أرى في عينيه بريق النصر لكنني صدمت بجدار من اليأس والإحباط لم أعهده فيه من قبل فنظر إلي بابتسامة باهتة يملؤها الشجن وقال بنبرة مخنوقة اعتصرت قلبي يا أبي عن أي مستقبل تتحدث؟ لقد انتهت سنين التعب وأجد نفسي اليوم أقف على حافة المجهول .. الجهات المختصة في بلادنا قضت على كل حلم كنا نغذيه بالسهر حيث لا وظيفة مضمونة ولا أمان وظيفي يحترم كرامة الطبيب ولا رؤية واضحة لما سيأتي لقد تساوى في هذا الوطن من سهر الـ 19 ساعة يومياً ومن أمضى حياته في اللهو ! . دار بيننا حوار طويل وموجع حاولت فيه بقلب الأب الذي يود أن يفتدي ولده بروحه أن أزرع في نفسه الأمل وأن أذكره بأن غداً قد يكون أفضل لكنني أحسست بعمق الفجوة فالتشاؤم لديه ولدى أقرانه لم يكن مجرد مزاج عابر بل كان قناعة ترسخت بفعل الواقع المرير قال لي وعيناه تلمعان بدموع محبوسة .. يا أبي لسنا نحن من يطرق باب الرحيل رغبة بل هو الوطن الذي يغلق في وجوهنا كل الأبواب ويجبرنا على الهجرة.. سنرحل إلى أي بلاد تقدر تعبنا وشهادتنا .. بلاد تحترم عقولنا وتمنحنا قيمة حرمنا منها في أرضنا. خرجت من ذلك الحوار وغصة خافية تخنق أنفاسي .. كيف وصلنا إلى هذا الحد؟ أن يصبح أغلى ما يملكه العراق كفاءاته الشابة وعقوله الطبية الفذة يبحث عن أول فرصة للهروب؟ إن الشباب هم بناة مستقبل الأوطان وإذا فرغت البلاد من بناتها المخلصين والمتميزين فمن ذا الذي سيعمر الخراب ويداوي الجراح؟ إن تحول الوطن من حضن آمن يتبنى الأحلام إلى أداة تطرد طاقاتها المبدعة هو الفاجعة الأكبر .. إنها صرخة نطلقها من قلب أب مفجوع بحلم ولده ونيابة عن آلاف الآباء والأمهات الذين سهروا وربوا واستثمروا في عقول أبنائهم ليجدوا في النهاية أن مستقبل فلذات أكبادهم يكتنفه الغموض والضياع في ممرات ومتاهات الإهمال الحكومي.
يبقى السؤال الذي يدمي القلوب دون إجابة .. إلى متى يبقى مستقبل كفاءاتنا مجهولاً وإلى متى يظل العراق يربي أولاده لتقطف ثمارهم بلاد الغربة؟ .