فم مفتوح .. فم مغلق
معدن الرجل الأصيل لا يصدأ
زيد الحلي
ان تمر بظرف صعب، بعد سنوات من الرخاء المجتمعي والوظيفي المحترم، ثم تجد نفسك في حلقة ضيقة من زقاق الحياة، ومن كان تحت امرتك، تعالى عليك، فأدار وجه عنك ، فهذا امر موحش ، وقدر غير محسوب.
وامام هذه الحالة، يظهر لك فجأة انسان، يحمل قيم الرجولة، موشوم بالنبل وكرم الموقف، فيحسسك بأن الدنيا لا زالت بخير، ويشعرك بقدرك، وماضيك المشع بالضياء، فيصبح رمزا متجذرا في وجدانك، تتحدث عنه بين اصدقاءك واسرتك، مبتهجا به، كصديق رائع.. ولأن الحياة دائما تحمل في طياتها نذر شر بعض نفوس، وتحمل سهام الغدر، فقد عاكس تيار الظلام، ضياء هذا الصديق، فتعرض لكيد لئيم، غير ان الحق بعد مدة زلزل كيد هؤلاء الذين كان فضل صديقي الذي يرفض ذكر اسمه، كبيرا عليهم!
طوال فترة ابتعاد هذا الصديق عن اضواء الحياة، طالني الحقد ايضا، فوقفوا بالضد مني ، لإحساسهم بأن صداقتي مع هذا الانسان، مبعثها تعلقي به، كونه رجل يمثل الصدق ونكران الذات.. بل وصل الحال، بمن كانوا يتمنون لقاءه، يحذروني من ذكر اسمه.. عجيب امر من يعتاش على دوران دولاب الهوا.
لقد فوجئت قبل يومين، بوصول سطور محبة معتادة من هذا الصديق على هاتفي المحمول، لكني توقفت عند عبارة له تقول (ممنون لتواصلك).. واليه اقول بملء الفم انا الممنون يا حبيب، فانت المعنى الحقيقي للوفاء، فالصديق المخلص هو السند في الشدائد، والمرآة التي تعكس صدق المشاعر.
لن انسى يوما، قولك لي وانت تقرأ مقالا لي منشور في صحيفة (الزمان) في مكتبك: لا تخف أبداً أن ترفع صوتك من أجل الصدق والحقيقة، ومن أجل التعاطف ضد الظلم والكذب والطمع، فلو فعل كل الناس ذلك سيتغير العالم نحو الافضل والأنبل، وقد اجبتك يومها: نعم إن أراد الكاتب ان تكون كلمته مؤثرة، فينبغي ان يجعلها صادقة من القلب، ويعيشها بكل جوارحه حتى تعبر عما بداخله، فتمتلئ حسناً وحرارة وصدقاً وإخلاصاً، فكم من كلمة بلا روح، نجدها جُثة هامدة لا تتحرك، ولا تحرك ساكناً، لأنها قدمت بلا معاناة ولا معايشة ولا صدق، فخسرت قيمتها وتأثيرها ووقعها.
عذرا صديقي الصدوق، كنت بالأمس واليوم والغد، عنونا لنبل عظيم الشأن، فمن يتعلم من الحياة يفهم دروسها جيداً، لذلك، تبقى مواقف الرجال دين لا يُنسى، وجميل يبقى محفوراً في القلوب قبل الذاكرة... ومع مرور الزمن وكثرة التجارب يصل الفرد إلى مرحلة الرشد الممزوج بالحكمة والحنكة.. وهكذا انت.