نبض المعاصرين إمتداد الأثر وتحديث الخطاب
أجيال التشكيل العراقي تتعانق في معرض روابط
بغداد - علي الدليمي
في أمسية بغدادية أنيقة تضوعت بأطياف اللون وشغف الإبداع، شهد المعهد الثقافي الفرنسي في بغداد، مساء الخميس الماضي، افتتاح المعرض التشكيلي الاستثنائي المشترك الذي حمل عنوان «روابط». واحتشدت في أروقة المعرض جموع غفيرة من الفنانين، والنقاد، وعشاق الفن التشكيلي ، الذين جاؤوا للاحتفاء بحدث لا يمثل مجرد عرض للوحات، بل يشكل وثيقة تاريخية وبصرية تؤرخ لجماليات الإبداع العراقي الممتد عبر الأجيال.
المعرض جاء بثمرة تعاون ثلاثي متميز بين المنصات الفنية: Atrakchi Art ، ومجموعة مصطفى سالم العجيل الفنية، بينما تولت مهمة التنظيم والتقييم الفني بدقة واحترافية عالية القيّمة أروى الراوي.
جدلية الذاكرة والمكان:
من الناحية الأكاديمية والنقدية، لا يستند معرض «روابط» إلى فكرة العرض العشوائي، بل يتخذ من الحوارية البصرية فلسفة ومنهجاً. إنها محاولة جادة لاستكشاف الروابط العميقة والمشتركة بين مفاهيم ثلاثة تشكل عصب الهوية العراقية: «الذاكرة، والهوية، والمكان». يسعى المعرض إلى تفكيك الخطاب البصري للفن العراقي عبر مرحلتين زمنيتين فارقتين:
مرحلة الرواد: الذين أسسوا للمحليّة ومزجوها بالحداثة الغربية في منتصف القرن العشرين.
مرحلة المعاصرين: الذين يواجهون أسئلة الراهن، والشتات، والتحولات السوسيولوجية والسياسية المعقدة.
المعرض، في جوهره الفلسفي، هو محاولة لمد جسور التواصل الإبداعي، وترسيخ قيم الوفاء الإنساني والأخلاقي بين تعاقب الأجيال. إنه يثبت أن الحداثة العراقية لم تكن قطيعة مع الماضي، بل هي امتداد عضوي له، حيث تلتقي الرؤى بغض النظر عن تباين الأساليب الفنية وتنوع الخامات وتعدد المدارس الفكرية.
وتجلى في المعرض ذلك التمازج الساحر بين قامات فنية غادرت عالمنا بجسدها وتركت إرثاً خالداً، وبين قامات معاصرة ما زالت تثري المشهد الثقافي بنبضها المتجدد.. نلمس جلياً في النتاجات المعروضة كيف استلهم المشاركون بيئتهم، وكيف وظفوا تقنيات متنوعة وخامات مختلفة (من الزيت، والأكريليك، إلى المواد المختلطة والتجهيز) لترجمة هواجسهم.
يمثل جناح الرواد في المعرض المرجعية البصرية والجمالية التي نهل منها الفن العراقي المعاصر، وضمت القائمة: سلمى خوري: بلمساتها التي تختزل الدفء الإنساني وتفاصيل الحياة اليومية بأسلوب تعبيري رصين. وغازي السعودي: الذي لطالما تميزت أعماله بالقدرة على محاورة الفضاء والكتلة، وبناء علاقات لونية متينة تعكس روح المكان العراقي. عيدان الشيخلي: رائد البساطة التعبيرية في قطعه النحتية الإنسانية. ونادرة عزوز: التي حملت أعمالها نزعة إنسانية وتأملية عميقة، ميزتها مساحات عاطفية وبناءات لونية تلامس خوالج الروح. في المقابل، جاء الجناح المعاصر ليؤكد أن المحترف العراقي ما زال ولاداً، وأن الروابط لم تنقطع، بل اتخذت أشكالاً تعبيرية ومفاهيمية جديدة، ومثل هذا الجناح:
أحمد مزاحم: الذي يواصل البحث في ثنايا المادة واللون، مقدماً طروحات بصرية تمزج بين الرمزية والتجريد والإختزال المتميز.وعباس هاشم: باشتغالاته التقنية العالية التي تحفر في عمق الهوية البصرية، الواقعية، مستنطقاً السطح التصويري بدلالات تعبيرية طاغية.وثائر كريم: الذي يحمل خطابه الفني أبعاداً اغترابية وتأملية، محاولاً لملمة شظايا الذاكرة وترميمها عبر مساحات لونية درامية.. بلمسات شفيفة.
ومحمد الشجيري: الذي يجدد في أدوات التعبير التشكيلي، مقدماً رؤى معاصرة تشتبك مع الواقع العراقي وتحولاته بصياغات بصرية جريئة، في خامات النحت المختلفة. إن معرض «روابط» ليس مجرد تظاهرة فنية عابرة، بل هو «صالون ثقافي مستعاد» يذكرنا بأيام بغداد الذهبّية. إنه احتفاء بالوجود الإبداعي العراقي الذي يرفض الانطفاء.وان هذا الحضور الجماهيري النخبوي والمكثف يبعث برسالة واضحة: أن الفن في بغداد يمثل حبل الوريد الذي يربط المجتمع بهويته الحية.