الغد في ظهر الغيب
فيصل عبدالحسن
هذا هو الشهر السادس لي في وطني العراق، وكأني أجرب صيفه بعد انقطاع طويل عنه في بلدان التغرب لأكثر من ثلاثين سنة، ففي الصباح الباكر أرى أن الكثير من العراقيين يحرصون على البحث عن قيمر العرب، كأنه عشبة الحياة التي بحث عنها أحد أجدداهم الأسطوريين جلجامش طيب الذكر، لتناوله مع الكاهي الساخن، أو البحث عن الكببجي النظيف صاحب الذبائح العراقية، وغير تلك المستوردة من مناشئ غير أمينة بالنسبة له، لتوفير اللحم الطيب المذاق للعائلة بالرغم من غلاء ثمنه، وإذا لم يتوفر الكباب تحرص العراقيات المجاهدات على سعادة عائلاتهن على عمل عروك الطاوة، ولا ألذ منه.
وفي يوم الجمعة يختار الكثيرون حسب مراسيم غداء يوم الجمعة السمك للشواء، وشوايات السمك منتشرة في أكثر الأحياء فقرا، وبسبب دعوة د. ضياء العوضي الله يرحمه توقف قسم كبير من العراقيين عن شراء البيض والدجاج، فبدأت أسعاره بالارتفاع بدلاً من الهبوط كما في كل دول العالم إلا في العراق، فالمقاييس مقلوبة تماماً، في الحقيقة اهتمام العراقيين بالأطعمة قبل ثلاثين سنة لم يكن بكل هذا الاهتمام. أخبرني طبيب صديق أن معظم العراقيين أصحاب أجساد مترهلة ليس بسبب الأكل الزائد بل بسبب القلق من الغد !! فالعراقي لا يعرف ماذا سيحدث له ولوطنه في الغد أنه يعيش يومه فقط أما الغد ففي ظهر الغيب والرحمة لروح الشاعر عمر الخيام، مما يجعل غدد الجسم لدى العراقيين تفرز الدهون من أبسط الأطعمة التي يتناولونها في يومهم لخزنها لوقت الحاجة القادمة، فالعراقي يخاف من تقلبات الزمن، وتقض مضجعه فترات المجاعات التي مرت بهم في فترات مختلفة من التاريخ، القديم والحديث وأقربها فترة الحصار البغيض في التسعينات. كل يوم زائد أقضيه في العراق قبل أن أسافر من جديد في أرض الله الواسعة باحثا عن أشياء لا أجدها في وطني للأسف، فنحن نجد في وطننا كل الأشياء الحلوة قد تم أهمالها، ولم يعاد تخديمها من جديد، كالخدمة البلدية وخدمة البريد الدولي والكهرباء الوطنية المتواصلة، والماء الصالح للاستخدام البشري، والبيئة النظيفة، فركام الأبنية المهدمة والطرق المحفورة والأزبال الطوفانية في كل شارع أو قطعة أرض متروكة ومياه المجاري تسير إلى جانب المارة في الطرقات والحدائق العامة منزوعة الحشائش ومخلعة الكراسي ومهملة تكنسها رياح السموم وملاعب الأطفال مفقودة والمكتبات العامة نادرة، ومعارض الرسم ودور السينما والمسرح كذلك، كل هذا الحرمان من النظافة والمتع الحسية والذوقية البريئة، التي تدل بلا شك على التقدم الحضاري والإنساني في أي مجتمع راق هي في خبر كان بالنسبة للعراقيين، مما جعلني أكثر فهما، وتقبلاً لحياة العراقيين وطرقهم الفريدة الجديدة في جعل أيامهم أكثر سعادة بالفقدان الكارثي لأسباب الحياة الحقيقية باهتمامهم الزائد بالطعام وتنمية كروشهم بأسباب القلق المستمر من الغد غير السعيد.