الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
السلاح والدولة.. الإختبار الأصعب

بواسطة azzaman

السلاح والدولة.. الإختبار الأصعب

محمد علي الحيدري

 

في خضم التحولات الإقليمية المتسارعة، من المفاوضات الأميركية ـ الإيرانية إلى التصعيد الإسرائيلي في أكثر من ساحة، يعود ملف حصر السلاح بيد الدولة ليحتل موقعه بوصفه أحد أكثر التحديات حساسية في العراق. فالقضية لم تعد مجرد نقاش داخلي يتعلق ببنية النظام السياسي، بل أصبحت جزءاً من معادلة إقليمية ودولية تتقاطع عندها مصالح قوى متعددة.

خلال السنوات الماضية استطاع العراق أن يتجنب الانجرار إلى مواجهات واسعة رغم العواصف التي ضربت المنطقة. غير أن هذا النجاح النسبي لم يلغِ حقيقة أساسية مفادها أن وجود السلاح خارج الإطار الرسمي للدولة يضعف قدرتها على إدارة الأزمات ويجعلها عرضة لضغوط خارجية متزايدة.

لا يتعلق الأمر هنا بالتشكيك في تضحيات فصائل لعبت أدواراً مهمة في مواجهة تنظيم داعش الإرهابي، فذلك أصبح جزءاً من الذاكرة الوطنية العراقية. لكن بناء الدول يخضع لمنطق مختلف عن منطق الحروب الاستثنائية. فالدولة الحديثة لا يمكن أن تستقر بوجود مراكز قرار أمنية متعددة، ولا يمكن أن تفرض سيادتها كاملة إذا لم تكن صاحبة الكلمة النهائية في قضايا الحرب والسلم.

وتزداد أهمية هذا الملف اليوم مع تصاعد الحديث في واشنطن عن ضرورة تعزيز سلطة الدولة العراقية وتقليص نفوذ الجماعات المسلحة المرتبطة بمحاور إقليمية. كما أن أي مواجهة محتملة بين الولايات المتحدة وإيران أو بين إسرائيل وحلفاء طهران قد تضع العراق أمام مخاطر الانزلاق إلى صراعات لا تخدم مصالحه الوطنية.

في المقابل، لا يبدو أن معالجة هذا الملف يمكن أن تتم عبر لغة التحدي أو فرض الوقائع بالقوة. فالتجربة العراقية أثبتت أن الحلول الصدامية غالباً ما تؤدي إلى نتائج عكسية. لذلك فإن النجاح يتطلب رؤية وطنية تقوم على الحوار والتفاهم والتدرج، بما يضمن تعزيز مؤسسات الدولة من دون إنتاج أزمات داخلية جديدة.

إن جوهر المسألة لا يكمن في من يحمل السلاح، بل في من يملك قرار استخدامه. فحين تتعدد مصادر القرار الأمني تتراجع هيبة الدولة وتتسع مساحة التدخلات الخارجية. أما عندما يصبح السلاح جزءاً من منظومة الدولة ومؤسساتها الشرعية، فإن ذلك يعزز الاستقرار ويحمي الجميع من مخاطر الصراعات المفتوحة.

لقد أثبتت الأحداث الأخيرة أن العراق يحتاج اليوم إلى دولة أقوى مما يحتاج إلى اصطفافات جديدة. دولة تمتلك وحدها قرار الأمن والدفاع، وتستطيع أن تتعامل مع واشنطن وطهران وسائر القوى الإقليمية من موقع الشريك صاحب السيادة، لا من موقع الساحة التي تتنافس فوقها الإرادات المتصارعة.

فحصر السلاح بيد الدولة ليس مطلباً أميركياً ولا إيرانياً، بل هو في جوهره مشروع عراقي لحماية العراق نفسه ومستقبله.

 


مشاهدات 50
الكاتب محمد علي الحيدري
أضيف 2026/06/06 - 2:26 AM
آخر تحديث 2026/06/06 - 5:16 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 252 الشهر 4937 الكلي 15880418
الوقت الآن
السبت 2026/6/6 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير