الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
الشعر والنقد بين قرنين: أسئلة الهوية والتحولات في ندوة "بيت الشعر"


الشعر والنقد بين قرنين: أسئلة الهوية والتحولات في ندوة "بيت الشعر"

عبد المنعم حمندي

 

​"الشعر والنقد بين قرنين: من القرن العشرين إلى القرن الحادي والعشرين".. عنوانٌ عريض تُجترح منه محاورُ عديدة، دعا إلى مناقشة محطاته وتحولاته "بيت الشعر في بغداد"، في ندوةٍ فرضت على مَن عاش وشارك في حركة الشعر الحديث في العراق أن يسهم فيها شاهداً على مجرياتها أو فاعلاً فيها. وخصوصاً ما مرّ به الشعر والنقد من إرهاصات سياسية وفنية عبر أكثر من نصف قرن مضى، من الانتقال بين الحداثة وما بعد الحداثة؛ إذ واجهت الساحة الأدبية في العراق أسئلة مصيرية وجوهرية تمسّ روح الإبداع وهويته.

​ولأهمية هذا الموضوع، احتضنت "مؤسسة رضا علوان الثقافية" هذه الندوة النوعية التي شارك فيها كوكبة من نقاد وشعراء العراق المكرسين: الأستاذ الدكتور علي جعفر العلاق، والأستاذ الدكتور ضياء خضير، والأستاذ الدكتور محمد رضا مبارك، وسط حضور حاشد من المثقفين والأكاديميين والأدباء، وأدارها الناقد الأستاذ الدكتور سعد التميمي.

​أسئلة غائبة.. وشهادات مؤجلة

​كنا نتمنى على محاور الندوة، الدكتور سعد التميمي، أن يستثمر وجود هذه الكوكبة من المبدعين الثلاثة، كونهم شهود عصرٍ ومسيرة، عاصروا المحطات والتحولات والصراع الأيديولوجي منذ ستينيات القرن الماضي حتى يومنا هذا، للكشف عن أسرارها ومسيرة الشعر والشعراء؛ فثمة أسئلة جوهرية تمسّ عصب الأزمة الراهنة للشعر، وتمثل تشخيصاً دقيقاً لواقع الحال، لكنها تفتح الباب لمعاينة الشروخ التي أصابت جسد الثقافة العربية المعاصرة.

​كنا نتمنى أن يُطرح المحاور السؤال الحرج: كيف استطاع الشعر المحافظة على عموده الفقري بين شعر العمود والشعر الحر في ظل الاستقطاب الأيديولوجي؟ وما طرحته الأحزاب السياسية من نظريات جمالية على الآداب والفنون، جعلت الكثير من الشعراء الشيوعيين في العراق يتجهون نحو شلال اليسار والماركسية ليشربوا من معين الواقعية الاشتراكية بكل تجلياتها، في حين لم يتورط حزب البعث في عقدي الستينيات والسبعينيات في تأطير الجماليات والفنون بل تركها رحبة واسعة الآفاق، فنهج شعراؤه إلى التوظيف التراثي والنهل من معينه. لكن، ومع دخول الثمانينيات وعصوف الحروب، طرأ مصطلح "أدب المعركة" كخطاب تعبوي جديد؛ فكيف نقرأ هذا التحول الجمالي؟ وكيف نُقيّم تلك الفترة الإشكالية بمرحلتيها؟

​كنا نتمنى أن يسأل المحاور عن صراع الأجيال الشعرية، وخصوصاً بين الستينيين والسبعينيين في ظل التنازع مع "قصيدة النثر"؟ وهل تراجع الوعي العروضي لدى الأجيال الجديدة أم أُعيد إنتاجه بأشكال مغايرة؟ وكيف أثرت الحروب المتلاحقة على بنية الخطاب الثقافي، وصولاً إلى مرحلة الثمانينيات وما تلاها حين أصبح الإعلام هو القائد الفعلي للمشهد الثقافي؟

​أن يسأل لماذا تحوّل الشعر في العقود الأخيرة من "ديوان للعرب" مرتبط بالمهرجانات الجماهرية، إلى "همّ فردي" وقضية شخصية تكاد لا تخص إلا صاحبها. ومناقشة، هذا التحول لنرى كيف وصلنا إلى هذه العزلة:

​في القرن الماضي، كان الشاعر يقف على المنبر ويهزّ عروش الطغاة وكانت القصيدة بياناً سياسياً، وموقفاً وجودياً، وثورة يتردد صداها في الشارع. أما اليوم، ومع انكسار المشاريع القومية والأيديولوجية الكبرى، تراجع الشاعر إلى داخله. تحولت القصيدة من مناقشة "مصير الشعب والوطن" إلى تشريح "عزلة الذات"، وصار الشاعر يكتب ليعالج جراحه الشخصية وخيباته الذاتية، فانفصل النص عن نبض المجموع.

كنا نتمنى على المحاور أن يسأل عن : ​ لافتة الحداثة وما بعد الحداثة، وكيف ذهب قطاع واسع من الشعراء نحو الإغراق في الغموض والأخيلة المعقدة، والابتعاد المتعمد عن "ذوق العامة" صوناً لما يصفونه بـ أرستقراطية الكلمة. هذا الانكفاء جعل المتلقي العادي يشعر بأن هذا الشعر لا يخاطبه ولا يشبه حياته، فتركه وانصرف. والنتيجة؟ أصبح الشاعر يكتب للشعراء والنقاد فقط، وصارت القصيدة "مونولوجاً" داخلياً بدلاً من أن تكون حواراً مع العالم.؟

​كنا نتمنى ان يسأل:

عن تأثير ​ عصر الفضاءات الافتراضية،التي أسقطت حصانة "الكتاب الورقي" وسادن الجودة الذي كان ينقّح الإبداع. أصبح بإمكان أي شخص أن ينشر ما يشاء ويسمّيه شعراً. هذه السيولة أنتجت استسهالاً كبيراً، وجعلت المتلقي يبحث عن المعرفة والمتعة في وسائط بصرية وسريعة أخرى، تاركاً الشعر في زاوية نائية كأنه طقس سري يمارسه صاحبه بمفرده.

​كنا نتمنى ان يسأل عن النقد والمنهج المفقود بين الماضي والحاضر بعد أن تلاشت المناهج الأيديولوجية الكبرى وظهرت بدائل أخرى:

غياب المنهج النقدي الموحد: بعد أفول نجم المناهج البنيوية والتفكيكية والسوسيولوجية التي هيمنت في القرن العشرين، ما هو البديل النقدي القادر على تفكيك النص المعاصر؟

كنا نتمنى أن يسأل عن أزمة الثقة بين الشاعر والناقد: هل تحول النقد إلى "مؤسسة مجاملات" أو انغلق في غرف أكاديمية معزولة عن النبض الحقيقي للشارع الشعري؟ وكيف ينظر الشعراء المكرسون إلى القراءات النقدية الحديثة لنتاجهم؟

كنا نتمنى أن يسأل: إلى أي مدى نجح النقد في تقديم "شهادة أدبية" حقيقية توثق التحولات الجمالية، بدلاً من إسقاط النظريات الغربية الجاهزة على النص العربي؟

كنا نتمنى أن يسأل: كيف أثرت الثورة الرقمية على سلطة "الكتاب الورقي" بوصفه السيّد الأزلي للمعرفة؟

 وهل أنتجت الفضاءات الافتراضية "سيولة شعرية" أطاحت بـ "سادنة الجودة" الأدبية؟

كنا نتمنى أن يسأل: هل ما زال مفهوم "الجيل الشعري" (جيل الستينيات، السبعينيات... إلخ) صالحاً لتصنيف الإبداع، أم أن الفردانية الفنية أصبحت هي المعيار الحاكم في القرن الحادي والعشرين؟

​إن الأسئلة التي تطرحها حركة الشعر والنقد بين قرنين هي في عمقها أسئلة صون "أصالة الإبداع"؛ كيف يظل الشعر وفياً لجذوره التاريخية والجمالية العميقة، وفي الوقت ذاته، قادراً على التنفس بوعي عصره ولحظته الراهنة دون ابتذال أو استسهال.

​وفي هذا السياق، جاءت مداخلة الشاعر الدكتور عارف الساعدي مكملةً ومهمةً جداً، إذ التقطت هذا الهمّ الثقافي وتماهت مع هذه التطلعات، وتمخضت عن مبادرة حقيقية أعلن فيها د. الساعدي عن استعداد دائرة الشؤون الثقافية أو اتحاد الأدباء والكتاب في العراق لرعاية وإقامة "مؤتمر موسع" يناقش هذا العنوان الكبير بمحاوره التفصيلية، ليكون فرصة مثالية لإعادة قراءة نصف قرن من تحولات الإبداع العراقي بشهادة صناعه ونقاده.

 


مشاهدات 109
الكاتب عبد المنعم حمندي
أضيف 2026/06/06 - 2:49 AM
آخر تحديث 2026/06/06 - 4:09 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 214 الشهر 4899 الكلي 15880380
الوقت الآن
السبت 2026/6/6 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير