الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
الصادقون على هامش التقدير

بواسطة azzaman

الصادقون على هامش التقدير

هدير الجبوري

 

هناك أشخاص يمنحون من أرواحهم أكثر مما يمنحون من أوقاتهم، يضعون قلوبهم كاملة في الكلمات، وفي المواقف، وفي الحضور، ثم يكتشفون متأخرين أن العالم لا يقيس العطاء بصدقه، بل أحياناً بحداثة الوجوه أو بسطوة المجاملة أو بمزاج اللحظة.

 وهذا ما يجعل الوجع مضاعفاً

 لأن الخذلان حين يأتي من غرباء يكون عابراً، أما حين يأتي من أماكن ظنناها مأوى لتعبنا ومحبتنا، فإنه يترك في الداخل جروح لا تُرى.

ليس أكثر قسوة من إنسان يظل يزرع الودّ سنوات طويلة، ويساند، ويتعاون، ويمنح من جهده ووقته ومحبته، ثم يجد نفسه فجأة واقفاً على هامش الصورة، بينما تُفتح الأبواب لآخرين لا لأنهم أفضل بالضرورة، بل لأن القلوب البشرية أحياناً تنشغل بالبريق الجديد وتنسى الذين ثبتوا طويلاً في أماكن الوفاء.

المؤلم في الأمر ليس قلة الشكر فقط، فالعطاء الحقيقي لا ينتظر التصفيق دائماً، لكن ما يوجع فعلاً هو ذلك الإحساس الخفي بأنك أصبحت أقل أهمية رغم كل ما قدمته، وأن تعبك يمكن تجاوزه بسهولة، وكأن السنوات التي بذلتها لم تترك أثراً في ذاكرتهم.

أن تُقابل الكلمات التي صغتها وقلتها بمحبة صادقة بصمت بارد، بينما تُمنح المساحات والاهتمام للغير، فهذا يترك في النفس سؤالاً موجعاً:

هل كان كل ما قدمناه غير مرئي إلى هذا الحد؟ البعض لا يدركون أن التجاهل المتكرر شكل من أشكال الأذى، وأن الاعتذار غير المقنع يجرح أكثر من الرفض الصريح، وأن الإنسان حين يضع قلبه في عملٍ ما، فإنه لا يقدّم مجرد جهد عابر، بل يقدّم جزءاً من روحه. لذلك تصبح الخيبة أكبر عندما يعود إليه ما صنعه من محبة بصورة باردة أو غير عادلة. ومع ذلك، يبقى أصحاب القلوب الصادقة أسرى لطبيعتهم يستمرون بالعطاء رغم التعب، ويقدمون رغم الخذلان، ويمنحون رغم الجراح، لأنهم لا يعرفون كيف يكونون نسخة قاسية من أنفسهم. لكن الحقيقة التي يتعلمونها متأخرين هي أن المحبة وحدها لا تكفي دائماً، وأن الإنسان يحتاج أحياناً أن يحمي قلبه من الاستنزاف، وأن يدرك أن قيمته لا تتحدد بمقدار الاهتمام الذي يمنحه الآخرون له، ولا بالمساحة التي يضعونه فيها، بل بما يحمله داخله من صدق ونبل وتاريخ طويل من العطاء.فليس كل من تجاهلك أصبح أحق منك، وليس كل من تم تفضيله عليك كان أحق منك، أحياناً المسألة كلها أن بعض الأرواح تُستهلك لأنها اعتادت أن تكون موجودة دائماً، وأن الإنسان الطيب يُؤخذ كأمر مسلم به، حتى يأتي يوم يتعب فيه قلبه بصمت، ويشعر أن أكثر ما أرهقه في الحياة ليس التعب نفسه، بل شعوره الدائم بأنه يمنح أكثر مما يتلقى…..

 

 

 


مشاهدات 41
الكاتب هدير الجبوري
أضيف 2026/05/25 - 3:13 PM
آخر تحديث 2026/05/26 - 2:42 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 160 الشهر 25209 الكلي 15870403
الوقت الآن
الثلاثاء 2026/5/26 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير