عندما يكون السارق أكثر أخلاقاً من .....
قراءة نقدية درامية وسوسيولوجية لحكاية السارق من كتاب « المِصْباح» للكاتب الباكستاني اديب ميرزا
عبدالكريم الحلو
أصل الحكاية :
عندما يكون السارق شريفًا
الكاتب الباكستاني أديب مرزا
حكاية من كتاب "المصباح":
يقول صاحب الحكاية :
ذهبت إلى دلهي في الستينيات للعمل، وفي أحد الأيام نزلت من الحافلة، ثم فتشت جيبي لأتفاجأ بأن أحدهم قد سرقني.
ولم يكن في جيبي سوى تسع روبيات ورسالة في مظروف كنت قد كتبتها إلى أمي،:
قلت فيها:
«أمي الحنون...
فُصلت من عملي،
ولا أستطيع أن أرسل لك هذا الشهر
مبلغ الخمسين روبية المعتاد.»
وكنت قد وضعت الرسالة في جيبي
منذ ثلاثة أيام، على أمل أن أرسلها لاحقًا عندما يتوفر لدي المبلغ.
ورغم أن الروبيات التسع المسروقة
لا تساوي شيئًا، فإنها بالنسبة لمن فقد عمله كانت تساوي تسعة آلاف روبية.
مضت أيام، ثم وصلتني رسالة من أمي. توجست خوفًا وقلت في نفسي: لا بد أنها تطلب المبلغ الذي اعتدت إرساله إليها.
لكنني عندما قرأت الرسالة،
فوجئت بها تشكرني وتدعو لي، :
إذ كتبت:
« وصلتني منك خمسون روبية عبر الحوالة المالية. كم أنت رائع يا بني، ترسل لي المبلغ في وقته ولا تتأخر أبدًا، رغم أنهم فصلوك من عملك. أدعو الله أن يرزقك من واسع فضله.»
عشت أيامًا في حيرة...
من الذي أرسل هذا المبلغ إلى أمي؟
وبعد أيام وصلتني رسالة أخرى،
بخط يد بالكاد يُقرأ،
جاء فيها :
« حصلت على عنوانك من ظرف الرسالة، وقد أضفت إلى روبياتك التسعة إحدى وأربعين روبية كنت قد جمعتها سابقًا، وأرسلتها حوالة مالية إلى أمك ،
حسب العنوان الموجود في رسالتك.
وبصراحة، فكرت في أمي وأمك،
وقلت في نفسي :
لماذا تبيت أمك جائعة
وأتحمل أنا ذنبك وذنبها ؟
تحياتي لك...
أنا الشخص
الذي سرقك في الحافلة...
فسامحني
----------------------
القراءة النقدية :
هذه الحكاية ليست عن سرقةِ تسعِ روبيات،
بل عن سرقةِ القيم والاخلاق .
فالكاتب لا يريد أن يثير فينا الدهشة من فعل اللص، وإنما يريد أن يهزَّ يقيننا القديم بأن الخير يسكن دائمًا في المكان الذي نتوقعه، وأن الشر لا يخرج إلا من وجوه المجرمين.
فالحياة أكثر تعقيدًا من القوانين،
والإنسان أوسع من صفته القانونية.
دراميًا :
تبدأ القصة بخسارة صغيرة في ظاهرها، لكنها كارثة وجودية في حقيقتها.
تسع روبيات بالنسبة لعاملٍ مفصول عن عمله ليست نقودًا، بل آخر ما تبقى له من القدرة على مواجهة الحياة.
أما الرسالة إلى الأم فهي العقدة النفسية الأعمق؛ لأنها تكشف هشاشة الابن أمام أمه، وعجزه عن الوفاء بما اعتاده من برٍّ ورعاية.
هنا يبلغ التوتر الدرامي ذروته؛ إذ يصبح القارئ مقتنعًا أن المأساة اكتملت، وأن الشر قد انتصر.
لكن المفاجأة لا تأتي من الشرطة، ولا من القضاء، ولا من المجتمع، بل من اللص نفسه.
وهنا تنقلب البنية الدرامية رأسًا على عقب.
فاللص، الذي يفترض أن يكون مصدر الشر، يتحول إلى مصدر الخلاص، بينما يغيب أصحاب الأدوار التقليدية جميعًا.
إنها مفارقة تهدم الأحكام الجاهزة،
وتجبر القارئ على إعادة تعريف الإنسان.
أما سوسيولوجيًا :
فالقصة تكشف حقيقة عميقة،
وهي أن الفقر لا ينتج دائمًا انحرافًا أخلاقيًا،
كما أن الجريمة لا تعني موت الضمير.
فاللص ابنُ بيئةٍ فقيرة،
لكنه ما زال يحمل داخله ما يسميه علماء الاجتماع “الضمير الجمعي”؛
ذلك الشعور الذي يجعله يرى أمَّ الكاتب امتدادًا لأمه، فيصبح الألم الإنساني مشتركًا، لا شخصيًا.
لقد سرق المال، لكنه لم يسمح للجريمة
أن تستولي على إنسانيته.
وهنا تبرز المفارقة الكبرى.
فالجريمة كانت حادثةً عابرة،
أما الرحمة فكانت هويةً ثابتة.
ومن الناحية الفلسفية :
تطرح الحكاية سؤالًا شديد الإرباك :
هل الإنسان هو أفعاله كلها، ؟
أم أن خطأً واحدًا لا يلغي ما بقي فيه من خير؟
إنها ترفض اختزال البشر في أوصافهم، فاللص ليس شرًا خالصًا،
كما أن الشريف ليس خيرًا خالصًا.
الإنسان كائن متناقض،
يحمل في داخله قدرةً دائمة على السقوط، وقدرةً أخرى على النهوض.
غير أن الكاتب، في خاتمة النص،
ينقل الحكاية من المجال الفردي إلى المجال السياسي، وهنا تتحول القصة من أدبٍ إنساني إلى إدانةٍ أخلاقية للمجتمع والسلطة.
فالسارق الفرد سرق جيبًا،
ثم أعاد إلى الضحية كرامتها.
أما اللصوص الذين ينهبون الأوطان،
فقد سرقوا مستقبل أجيال كاملة،
ثم لم يشعروا بوخزة ضمير،
ولم يتوقفوا لحظة ليسألوا عن طفلٍ جائع، أو أمٍّ تنتظر دواء، أو شيخٍ أنهكه العوز.
وهكذا تتحول شخصية اللص
إلى مرآةٍ أخلاقية، لا لنقيس بها المجرمين، بل لنقيس بها المسؤولين.
إن أخطر أنواع السرقة ليست سرقة المال، بل سرقة الحس الأخلاقي.
فحين يفقد الإنسان القدرة على الشعور بآلام الآخرين، يصبح أكثر فقرًا من أفقر الناس، حتى وإن امتلك خزائن الأرض.
لهذا تبقى الحكاية أكبر من كونها قصة عن لصٍّ ندم على فعلته؛
إنها شهادة على أن الضمير يمكن أن يعيش في الأزقة الضيقة،
وقد يموت في القصور الواسعة.
وربما لهذا السبب ظل ذلك اللص مجهول الاسم، لأن الكاتب أراد أن يقول لنا إن الإنسان لا يُقاس بما أخذه من العالم،
بل بما بقي حيًّا في قلبه بعد أن أخذه.