الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
جمهورية النصوص الجميلة .. قانون الإستثمار وإدارة الأبواب المغلقة

بواسطة azzaman

جمهورية النصوص الجميلة .. قانون الإستثمار وإدارة الأبواب المغلقة

موفق البياتي

 

من السهل ان تكتب الدولة قانوناً يبهر القارئ ، وان تصوغ نصوصاً تطمئن المستثمر وان تقطع له وعداً بالامن والامان وبالضمانات والتسهيلات ، ومن السهل ايضاً ان ترفع هذه النصوص في المؤتمرات ، وان تترجم الى جميع لغات العالم بوصفها دليلاً على انفتاح اقتصادي واعد ، لكن من الصعب بمكان ، بل من المستحيل في بعض الاحيان ان تجد لهذه النصوص حياة خارج الورق.

في العراق يقف قانون الاستثمار رقم 12 لسنة 2006 شاهداً على هذه المفارقة المؤلمة ، فهذا القانون يعد بالكثير بمواجهة واقع لا يفي الا بالقليل ، و العلة ليست في النص القانوني ، بل في اليد التي تمسك بمفاتيحه ، اي في اداء الادوات الوطنية التي تحولت -–بفعل الممارسة- من بوابة عبور الى بوابة انتقاء .

- فلسفة القانون .. وعد بالانفتاح يدار بعقلية مغلقة

جاء قانون الاستثمار ليؤسس لبيئة قانونية حديثة قوامها حماية رأس المال من المصادرة او التأميم ، وحرية في تحويل الارباح وتبسيط للاجراءات ثم تقليل للاحتكاك مع البيروقراطية ، اما على ارض الواقع فأن الفلسفة العقلية وكما تتبدى من التطبيق، مختلفة تماماً فالضمانات التي تكلم عنها القانون لاتمارس الا بعد المرور بممرات ضيقة ، والتسهيلات التي وعد بها هذا القانون لا تمنح الا بعد استكمال طقوس اجرائية لا تنتهي ، اما السرعة التي كفل القانون بلوغها فأنها على الدوام تستبدل ببطء مدروس ، وهنا لا يعود القانون اطاراً  حاكماً، بل يصبح مجرد بداية لسلسلة لا تنتهي من التفسيرات .

وهكذا فان كل ما يجري على الارض هو العكس تماماً ، فالقانون الذي بُنيَ على اساس طمأنة المستثمر وتسهيل مهمته اجرائياً انقلب راساً على عقب ، فالضمانات التي يفترض ان تكون مطلقة تحولت الى ضمانات مشروطة ومقيدة باجراءات ( بيرقراطية ) ومعلقة على موافقات لاحقه  اما التسهيلات فقد افرغت من مضمونها عبر تضخم المتطلبات وتعدد الجهات وتكرار الاجراءات بحيث لم يعد المستثمر يتعامل مع (قانون ) بل مع طبقات من التفسير الاداري المتراكم فالقانون يقول لك « استثمر « والواقع يضيف «لكن بشروط لم تكتب «

- حين تتغلب الادارة على التشريع

كان يفترض ان تكون بعض المفاصل الادارية وسيطاً تنظيمياً وحلقة وصل بين النص القانوني والمستثمر ، ولكنها على ارض الواقع تحولت الى ما يشبه سلطة موازية تعيد كتابة القانون وتشكيله وفق منطقها الخاص ، فهي لا تطبق النص القانوني بل تعيد تأليفه عن طريق تفسيره والاضافة اليه وتقييده بتعليمات غير معلنة احياناً ، فيتحول هذا النص  من قاعدة عامة الى نص قابل لاعادة التشكيل يتبدل وفق ايقاع كل معاملة ، حتى تتفرد كل معاملة بايقاعها الخاص .

وفي الواقع العملي ايضاً يتسع نطاق التدخل ليطال ادق تفاصيل المشاريع واصغر الجزئيات المتصلة بقرارات المستثمر ، بل و حتى في بيئة النشاط الاقتصادي نفسه وفي خيارات المستثمر ذاته ، ومن دون ان يكون لكل ذلك سند صريح في القانون ، وهنا تنكشف المفارقة الاشد اقلاقاً : نص واضح الى حد الشفافية ، وتطبيق غامض الى حد الريبة ، ومثل هذا التمدد لا يثير اشكالاً بحد ذاته ، بل الاشكال في ان هذا التمدد غير مؤطر بضوابط واضحة .

وهكذا لا يواجه المستثمر نصاً واحداً بل تعليمات معلنة ، واحيانا غير معلنة يجب ان تفهمها من السياق ، وثالثة لا تقال .. لكنها تفهم!! وهنا فقط تتشكل طبقة خفيفة من القواعد ، لا تكتب في الجريدة الرسمية لكنها تمارس بأنتظام ، فليس كل ما يطبق ينشر ، وليس كل ما ينشر يطبق .

- الاجازة الاستثمارية .. حق على الورق وامتياز في الواقع

الاصل ان الاجازة الاستثمارية تمنح بحسب القانون متى ما توافرت شروط اجراء قانوني لمنحها ، لكنها في حيز التنفيذ تتحول الى مسار طويل متعدد المحطات ، وهو قابل للتوقف في اي لحظة ، وهي ما بين النص وقرار منحها تظهر مساحات رمادية ، تتفاوت فيها السرعات ، وتفتح فيها الابواب بدرجات مختلفة ، فليس بالضرورة ان يقال لماذا يتقدم ملف على اخر ، فطائفة من الموضوعات لا تحتاج الى نص لتفهم ولا الى بوصلة لتدرك حتى نعرف لماذا هناك معاملات تسير واخرى تنتظر ، وثالثة تعرف الطريق دون ان يشرح عليها .وفي البيئات القانونية المستقرة تُحكم العلاقة بين الدولة و المستثمر بنصوص واضحة ، اما حين تتشكل قواعد غير مكتوبة ، وتتراجع النصوص امام الممارسة ، فأن الذي سينشأ ليس فراغاً بل نظام موازٍ ، نظام لا يعلن عن نفسه ولا يدوَن ، ولا يبلغ للاخرين لكنه – وللاسف- فعَال .

في مثل هذا النظام ، لا تكون المعرفة القانونية كافية ، بل تضاف اليها معرفة اخرى انها اكثر مرونة وتختصر احيانا ً بقائمة من الامتيازات التي تتحول تدريجياً من اداة لضبط السلوك . الى وسيلة للالتفاف عليه فتغدو تلك القاعدة مرنة حد الانكسار ، والنص قابلاً لاعادة التشكيل وفق ارادة من يملك النفوذ ، لا وفق مقتضيات العدالة ، وحينئذ لا يعود القانون مرجعا يحتكم اليه ، بل غطاءً يعاد تفصيله مع كل واقعة او ملف ، وحتى يفقد القانون صلابته ويتحول الى اتفاقات خاصة تدار خلف ستار التشريع.

وفي ظل هذا المشهد لا نكون امام قانون يسوَق بوصفه اداة جذب ، بل اداة اقصاء وتصفية صامته ، مستثمر متردد ومشروع متأخر ، ورأس مال يبحث عن يقين فلا يجده ، ونصوص تسوق كأداة جذب لكنها تتحول في التطبيق الى عامل تصفية وانتفاء ، وحتى تبدو بيئة الاستثمار جاذبة من الخارج ، لكن من يقترب منها اكثر ، يكتشف ان الطريق ليس مستقيماً كما خطط له .

- بين المشروعية والشعور العام

قد يكون بالامكان من الناحية القانونية البحتة ، تكييف الكثير من هذه الممارسات ضمن نطاق التقدير الاداري ، غير انه من الناحية الواقعية لا بد وان يتشكل شعور عام – لا يحتاج الى اثبات قضائي – شعور يفضي بأن السباق ليس متكافئاً ، وان الفرص لا تمنح دائماً على قدم المساواة وان بعض المسارات ستكون اقصر من غيرها لاعتبارات لا تكتب في النصوص ، ومثل هذا الشعور كافٍ لتعويض الثقة ، وان لم يدون على شكل نصوص ذلك ان المشكلة لدينا ليست في غياب التشريع ، ولا في ضعف الصياغة ، ولا حتى في نقص الضمانات ، وانما المشكلة لدينا حين يصبح التشريع ضحية لمن يفترض ان يحميه او عندما يذبح على يد حراسه وعند هذه النقطة لا يعود الخلل في النصوص ، بل في البنية التي تفرغ هذه النصوص من معناها ولا في القوانين بل في الارادة التي تجردها من قوتها ، حيث يصاغ نظام موازٍ ، صامت ، لكنه نافذ ، غير مكتوب لكنه ملزم ، ولا يعلن عن نفسه لكنه يحكم كل شيء ، وحين يترسخ هذا النظام يصبح الخروج عنه مخاطرة ، والالتزام بالقانون مغامرة ، وتغدو العدالة عندئذ مجرد نكرة نبيلة لكنها بلا اثر .

  قــاضٍ متقــاعد 


مشاهدات 77
الكاتب موفق البياتي
أضيف 2026/06/23 - 4:32 PM
آخر تحديث 2026/06/24 - 1:23 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 124 الشهر 22794 الكلي 15898275
الوقت الآن
الأربعاء 2026/6/24 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير