نقطة ضوء
شقشقة إعلامية
محمد صاحب سلطان
في محاضرة، سألني أحد الطلبة عن حصيلة تجربتي التي قاربت الخمسة عقود في الصحافة والإعلام، عبر محك ميداني متواصل، رافقه التدريس الجامعي في أكثر من موقع، متسائلا عن النتيجة والحكمة التي خرجت بها من هذا السفر الصحفي المتلاطم، منوها إلى إفرازات الإعلام الحالي التي باتت تفتقر إلى المعايير المهنية الصحيحة، ولا سيما الصدقية والحيادية التي تطالبوننا في الدرس الاكاديمي أن نتقيد بها، وضرب مثلا حال بعض المحللين وما تلوكه ألسنتهم من غرائبيات الكلام الفضفاض غير الصادق، فكرست جل وقت المحاضرة عن هذا الأمر ، مندفعا مثل فوهة بركان إنفجر لتوه، وسأورد بعضا من شقشقة ذلك الحديث، عسى أن يعي أولئك (المحللين) الذين يتسيدون المشهد الإعلامي الحالي، بضجيجهم وفحيحهم وصراخهم وعويلهم!، ممن يطلق عليهم تعسفا خبراء ومختصين، يحتلون شاشات الفضائيات التي تبغي سد الشواغر الزمنية في العرض، فيهمها من هو تحت اليد والقابل على الترديد وفق ما تريد!، والمستعد بالقيام بحركات بهلوانية، وجمل كلامية غير مترابطة تشي عن خواء الفكر وفراغ العقل ، الذين يسخرون من الجادين وما دروا إنهم بإنفسهم يسخرون، كون الجادين في طرحهم يحاولون أن يوصلوا الحقيقة ولو بقدرها المتوفر، كونهم تعلموا إن زمن الصراخ قد ولى، وحل محله زمن التروي والبحث الدقيق، أما الذين أقصدهم من بهلوانات هذا الزمان، يتصورون الثقافة والمعرفة سبة، وشعارهم المخالفة، وعيوبهم تعتور في تفكيرهم، فهم كثيرا ما يجعلون العربة أمام الحصان كما يقول المثل، أي إنهم يعدون السبب نتيجة والنتيجة سببا، ديدنهم في الحوار، السب والشتم وتخوين الآخر، من دون مراعاة للحقائق التي تؤكد إن المشكلات لا تنشأ من سبب واحد، بل من أسباب متعددة يربطها مسار طريق واحد.. وبما إنه لابد مما ليس له بد، كما يقول عالم الإجتماع الدكتورعلي الوردي رحمه الله في مقدمة كتابه (مهزلة العقل البشري)، فإني عاهدت نفسي على كشفهم وتعقب خطاهم، ليس من باب الإقتداء، بل من باب ردم العورات التي يحدثونها، بالحجة والدليل والسياق التاريخي السليم، ولا سيما أولئك الذين أغراهم إلتماع المال وبريق منصاته، حتى أضحى حالهم مثل ذلك الجاهل الذي أراد أن يتمدن في كلامه، فضيع المشيتين مع الأسف!، وجراء ذلك خطر في بالي أن أمارس دور البديل الرقابي في إعلام شتته التناحرات التي إنعكست على أصوات الناطقين، بإسم كبار المتناحرين ممن يمتلكون وسائل إعلام عديدة تنطق بإسمهم بشكل مباشر أو من وراء ستار، وتخيلت إن لدي السلطة والصلاحية في مراجعة الأمر وردع كيد المتناحرين!، ممنيا النفس بإن الإعلام ممكن أن يكون أشبه بمسبحة تدار حباتها بشكل متسلسل وبيد واحدة، ولكن هيهات، ما كلما يتمنى المرء يدركه، عموما قراري الذي إتخذته لن يأخذ حيز التطبيق سوى في الأماني والأحلام!، لإن الطالب لن يكون بديلا عنه في الإمتحان سوى الطالب نفسه، وما علينا سوى اللجوء إلى الدعاء له لتجاوز محنة الإمتحان، المتماثلة مع محنة الإعلام الحالي!، بيد إني صدقا عندما أستمع لإحد من أولئك، مضطرا، كوني أبحث عن معلومة أو خبر يزيل الهم عن النفس، أجد نفسي قد إمتلأت بشحنات الطاقة السلبية التي تجثم على الصدر، مثل قبضة جبارة تخنقك وتصادر روحك قبل جسدك، فهم يريدون على وفق خطط الجهل المعدة مسبقاً في دهاليز من لا يريدون الخير إلا لإنفسهم ، حتى نبقى مكتوفي الأيدي وعاجزين عن إستعادة دورنا الإنساني، بعد أن أراد لنا إعداء الخير أن نعيش حياة الحيوان لا الإنسان، مجرد إجترار للعلف وإكتناز للمال من دون مشاعر وأحاسيس واللهاث وراء الماديات، كي يسود الجهل والظلام في العقول والنفوس، ونتحول إلى خنازير أو فخار يكسر بعضه بعضا.. وقديما قيل (المنافق يضع المسك فوق جلده، لكنه يرمي روحه داخل وعاء القمامة)، عافانا الله وإياكم من روائحها النتنة!. وهنا انتهى الدرس!؟.