متين عبد الله كركوكلي.. حين تتحول الذاكرة إلى ناقدٍ لا يهادن (ولا يتقاعد أيضاً!)
️ قتيبة الحميد
في كتابات الأديب الناقد متين عبد الله كركوكلي، لا يمكن للقارئ أن يتعامل مع النص بوصفه بناءً لغوياً مكتفياً بذاته؛ إذ سرعان ما يكتشف أنه أمام مشروعٍ ثقافي تتداخل فيه السيرة بالتاريخ، والانطباع بالنقد، والخاص بالعام، في بنيةٍ أقرب إلى “نص الحياة” منه إلى “حياة النص”. يكتب كركوكلي بعينين: عين المعلّم الذي خبر التفاصيل الصغيرة، وعين الناقد الذي لا يمرّ على الظواهر مروراً عابراً، لذلك تبدو نصوصه مشحونةً بذاكرةٍ تعليمية واضحة، تستحضر المكان لا كحيّزٍ جغرافي فحسب، بل كوعاءٍ لصناعة الإنسان، فمدارس الحويجة، مثلاً، لا تظهر في كتابته كمؤسسات، بل ككائناتٍ حيّة ساهمت في تشكيل الوعي الجمعي. ولعل من أبرز سمات أسلوبه تلك القدرة على الانتقال السلس بين الأنماط: من التوثيق إلى التأمل، ومن السرد إلى النقد، دون أن يشعر القارئ بانفصالٍ حاد؛ ففي لحظةٍ يستدعي قول جلال الدين السيوطي عن خصال الأطفال ليبني عليه تأملاً أخلاقياً عميقاً، وفي أخرى ينفتح على تجاربه الشخصية، خصوصاً في محطة التقاعد، حيث يتحول النص إلى مساحة اعترافٍ هادئ، يخلو من الادعاء، ويكتفي بإيحاءات النقص الجميل في تجربة العطاء. أما في اشتغاله الأدبي، فيكشف كركوكلي عن قارئٍ نَهِم، لكنه قارئٌ فاعل، يعيد إنتاج ما يقرأه ضمن رؤيته الخاصة؛ فتأثره بكتابات محمد أحمد الراشد لا يظهر بوصفه تبعية، بل امتداداً واعياً لمشروعٍ تربوي وفكري انعكس على لغته وسلوكه الكتابي. وفي قراءاته السردية، كما في تناوله لأعمال جليل القيسي، تتجلى قدرته على التقاط البعد الرمزي للنص؛ فهو لا يكتفي بسرد الحكاية، بل يعيد تأويلها، خصوصاً حين يستحضر أجواء عيد أكيتو، حيث يمتزج التاريخي بالأسطوري، ويغدو مردوخ رمزاً لذاكرةٍ تبحث عن حضورها في واقعٍ متغير. وفي ميدان النقد القصصي، يظهر كركوكلي أكثر صراحةً؛ فهو حين يتناول تجربة محمد فهمي لا يتردد في الإشارة إلى العتمة التي تهيمن على نصوصه، لكنه في الوقت نفسه يحاول فهمها ضمن سياقها النفسي والاجتماعي، وهذه المقاربة تكشف عن ناقدٍ لا يصدر أحكاماً جاهزة، بل يسعى إلى تفسير الظواهر من داخلها. ولا تقف كتاباته عند حدود الأدب، بل تمتد إلى الشأن العام، حيث يتحول النص إلى منبرٍ نقديٍّ مباشر؛ ففي حديثه عن الأزمات الاقتصادية يخلع اللغة البلاغية لصالح خطابٍ واضح يكاد يكون تقريرياً، لكنه مشحون بروحٍ أخلاقية عالية، وهنا يتبدى كركوكلي ككاتبٍ يرى أن المثقف معنيٌّ بما يجري لا متفرجٌ عليه. وفي موضوع “مكافآت الأدباء” يستدعي التاريخ بسخريته المعهودة، مستحضراً نماذج من معاناة الأدباء، من فضولي إلى محمد الماغوط، ليؤكد أن الإبداع كثيراً ما عاش على هامش التقدير المادي، غير أن هذه المرارة لا تُطرح بصيغة الشكوى، بل بلمسة ساخرة تخفف من حدتها. أما في نصوصه الشعرية، أو تلك المشبعة بروح الشعر كما في حديثه عن المطر، فيكشف عن حسٍ جمالي رقيق يتقاطع مع تجارب شعراء كبار مثل بدر شاكر السياب، حيث يتحول المطر من ظاهرة طبيعية إلى رمزٍ متعدد الدلالات: الجوع، الخصب، الحنين، وربما الخيبة. ولا يمكن إغفال تلك المساحات التي يشتغل فيها كركوكلي على النصوص القصيرة المكثفة، أشبه بما يمكن تسميته “شذرات نقدية شعرية”، حيث تتقاطع الحكمة مع المفارقة، ويتجاور المعنى مع ظله، وفي هذه المقاطع يبدو الكاتب أقرب إلى شاعرٍ يتخفى في هيئة ناقد، أو ناقدٍ يكتب بلغة الشعر دون أن يفقد صرامته. كما أن حضوره المكاني، ولا سيما كركوك، ليس حضوراً عابراً؛ فالمدينة عنده ليست خلفية للأحداث، بل كائنٌ حيّ له ذاكرة وصوت وحزن، لذلك حين يكتب عنها، يكتب بوصفه ابن المكان وشاهده لا مجرد راصدٍ له. خلاصة القول إن متين عبد الله يكتب بوصفه شاهداً وناقداً في آنٍ واحد؛ نصه لا يسعى إلى الإبهار بقدر ما يسعى إلى الإقناع، ولا إلى الزخرفة بقدر ما يراهن على العمق، إنه نموذج للكاتب الذي يمارس الثقافة كفعل حياة لا كترفٍ لغوي، ولذلك تبدو كتاباته، بكل ما فيها من تنوع، أقرب إلى مرآةٍ تعكس تعقيد الواقع العراقي بصدقٍ ووعيٍ لا يخلو من حسٍ إنساني لافت. وإذا كان التقاعد نهايةً لوظيفة، فإنه في تجربة كركوكلي يبدو بداية أخرى لنصٍ لا ينتهي نصٍ تكتبه الذاكرة، وتراجعه التجربة، ويوقّعه الزمن.
أعمال ومؤلفات متين عبد الله كركوكلي
بدأ متين عبد الله كركوكلي تجربته الأدبية عام 1982 من خلال النشر في عدد من الصحف والمجلات مثل جريدة يورد ومجلة الإخاء والعراق غداً والخيمة وصوت كركوك، حيث تميز منذ بداياته بالمزج بين الحس الشعري والرؤية النقدية والتأمل الفكري، ما أسس لصوته الأدبي الخاص داخل المشهد الثقافي.
أصدر لاحقاً عدداً من المؤلفات الشعرية والمقالية والترجمية، فجاءت أعماله متتابعة في مسار يجمع بين الإبداع والتوثيق، إذ أصدر ديوان خبز النفط الأسود عام 2012، ثم ديوان خبز العسل عام 2013، وتلاه ديوان إيشيلداق عام 2016، ثم كتاب حكايات مدرسية عام 2019، وأخيراً كتاب عطر القرنفل عام 2020، والذي جمع بين المقالات والترجمات.
وفي جانب الترجمة والدراسات، أنجز أعمالاً مهمة منها صحافة العراق في 130 سنة (أنقرة 2009 و2019)، والعصور الذهبية في الصحافة التركمانية عام 2011، وتاريخ تلفزيون كركوك عام 2020، إضافة إلى كتاب من تجارب حياتي عام 2019، وكتاب عمت صباحاً أيها المساء عام 2020.
وتكشف هذه الأعمال مجتمعة عن مشروع ثقافي متنوع يجمع بين الشعر والمقالة والترجمة والتوثيق، ويعكس اهتمامه بالذاكرة الثقافية والتاريخ الإعلامي والبعد الإنساني في الكتابة.