الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
عندما بلغت السبعين

بواسطة azzaman

عندما بلغت السبعين

عبدالهادي البابي

.............

عندما بلغت السبعين عاماً ، جلست في مقعد، نظرت إلى حياتي التي عشتها، وفكرت: حسنًا…هذا كل شيء ، لقد وصلت تقريباً إلى نهاية الطريق. وماذا أكتشفت ؟

 أن الكثير من الأشياء التي كنت أؤمن بها يوماً من كل قلبي لم تكن سوى أوهام. ...فالأبناء لهم حياتهم الخاصة وهم مشغولون بها ...والصحة بدأت تختفي أسرع من الماء المتسرب من دلو مثقوب ..والدولة مجرد أرقام في الأخبار ووعود صاخبة وفي كثير من الحيان كاذبة، ..والشيخوخة تقترب ولا ترحم ، إنها تضرب في أكثر الأماكن إيلاماً..

ومن هنا خرجت بإستنتاجات صعبة ، وواقعية ، ومؤلمة ، لكنها في النهاية منقذة..وهي :

1- الأبناء لا ينقذونك من الوحدة..

فطوال الحياة نظن حين يكبر الأبناء ستكون الشيخوخة سعيدة بوجودهم ...سيكونون قريبين، سيساندوننا.. يبدو هذا جميلاً ، لكن الواقع مختلف ، الأبناء لهم مشاكلهم ..العمل ، الديون، أسرهم ، أطفالهم ، مشاريعهم ،  وتبقى أنت تنتظر مكالمة من أحدهم كأنها عيد .. الهاتف يظل صامتاً لأسابيع وربما أكثر ، حتى تصلك فجأة رسالة قصيرة:

مرحباً أبي.. إن شاء تكون بخير.. تنظر إلى شاشة الهاتف ، فتفرح لأنهم بخير، لكن الفراغ لا يزول..عندها تدرك شيئاً محزناً : الأبناء ليسوا ضماناً ضد الوحدة.

٢- الصحة ليست أبدية..

حين تفقد الرغبة في الذهاب إلى أماكن كنت تجري إليها بلا تفكير، تدرك أن الصحة ليست مخزوناً خفياً. إنها رأس مالك الأساسي. .

٣-  العمل والمال والتقاعد ..ليس حياة  ، إنه سخرية، إذا أعتمدت فقط على الدولة ، فأنت تحفر قبرك بيدك. ..بالكاد يكفي للفواتير والأدوية والعلاجات .. أما الباقي فتدبر نفسك. بنفسك..

لهذا عليك أن تضع قواعدك الخاصة...بل هي طريقة للبقاء أن تعيش بكرامة...وهي خمس قواعد صادقة للحياة:

القاعدة الأولى : المال أكثر موثوقية من الأبناء..صحيح أن الأبناء حب وفرح وسعادة ، لكنهم ليسوا صندوق تقاعد. ..فعليك أن تعمل، وتفكر في مستقبلك ، وأن تدخر لنفسك ، حتى لو كان قليلًا ..فهو المساحة والحرية التي تتحرك بها  ماتبقى من عمرك .

القاعدة الثانية : الصحة هي عملك الأساسي ..

الهدف الأول أن تنهض من الفراش بلا ألم ، تتحرك ، مارس الرياضة ، أمشِ كل صباح  ولو نصف ساعة .. حرك أطرافك  وأعمل القرفصاء .. قلل الملح ، قلل السكر .. فالمرض لا يسأل إن كنت غنياً أو فقيراً.. إنه يضرب من لا يعتني بنفسه.

القاعدة الثالثة :  تعّلم أن تقدر صحبتك الخاصة ولاتنتظر ..فالإنتظار هو العدو، لاتنتظر مكالمة ، أو هدية ، أو أهتمام من أحد …فتصيبك الخيبة ..فالسعادة يجب أن تُصنع كل حاجاتك بيديك..وجبة غذاء جيدة ، تأليف كتاب جميل، نزهة في المدينة ، تستمع لموسيقاك المفضلة.. تقرأ القرآن بتدبر وتمعن وتفكر..وأن تعيش لحظات الفرح مع أصدقائك أو أحفادك ..فالفرح هو أفضل لقاح ضد الحزن.

القاعدة الرابعة : الشيخوخة ليست سبباً للضعف..بعض الناس في أعمار الستين والسبعين  يصبحون شاكين دائمين : (آه ، كل شيء يؤلمني…آه، كل شيء خطأ في الآخرين..آه تعبتني الحياة )  وماذا يحدث؟ حتى الأقرب اليك يبتعدون عنك من كثرة الشكوى. ..الضعف لا يلهم الشفقة بل يرهقها، والناس يحترمون من يبقى قوياً ، حتى حين يكون الأمر صعباًعليه ..

القاعدة الخامسة :  وهي الأهم ... إترك الماضي ..أخطر فخ هو العيش في الماضي ..وتعتقد أن في السابق والماضي كانت الحياة أسهل ، والأبناء كانوا أكثر طاعة ، والعشب أكثر خضرة والحياة أجمل وووو... لكن (الماضي)  لم يعد موجوداً.. هناك فقط (الآن) ..فتعّلم أن تعيش في الحاضر، دون إنتظار أن تعود الحياة (كما كانت).. إنها مختلفة، ومهمتك أن تبقى حياً داخلها.

فالحرية والقوة بين يديك.. والشيخوخة أختبار.. لا أحد سينجحه بدل عنك ،  فإما أن تقبل الحياة كما هي وتعيد بناءها ، أو تجلس في مقعدك ، تشكو وتنتظر أن يأتي أحد لينقذك...وتذكّرجيداً:  إنه لن يأتي أحد. .!!

لكن إذا رفعت رأسك ، وتنفست بعمق ، وأبتسمت لنفسك ، ستكتشف شيئاً مهماً: الحياة بعد الستين أو السبعين أو حتى الثمانين ممكنة. ..ويمكن أن تكون حياة ممتعة و جميلة وزاخرة ..

أعمل ما شئت وتمتع بالحياة مايحلو لك ، فقط ثق بالله ، ولا تغضبه ، وأستمتع بما أحل الله لك من مأكل ومشرب وملبس دون إسراف أو مبالغة في التقشف..ولا تؤذي الآخرين ، وساعدهم قدر ماتستطيع حتى ولو بالقليل ..فهناك تجد السعادة وتجد أن الحياة تلبسك كل يوم ثوبها الجديد ..

وأخيراً : إعلم أنك لست متأخراً في نهاية الحياة ..وممكن أن تبدأ حياتك من جديد .

 


مشاهدات 75
الكاتب عبدالهادي البابي
أضيف 2026/05/02 - 1:17 AM
آخر تحديث 2026/05/02 - 2:32 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 131 الشهر 853 الكلي 15246047
الوقت الآن
السبت 2026/5/2 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير