حين تتحول المعلومة إلى سلاح
ثامر محمود مراد
في الثامن والعشرين من شباط عام 2026، اندلعت شرارة حرب مفاجئة في إيران. لكن ما سبق الانفجار العسكري بساعة واحدة فقط كان أكثر إثارة للقلق: حساب مجهول على منصة مراهنات رقمية يُدعى “Poly market” راهن بمبالغ ضخمة على وقوع ضربة أمريكية وشيكة ضد الأراضي الإيرانية. وبعد أقل من ستين دقيقة، تحقق السيناريو بدقة مذهلة، لتُقصف إيران ويحقق ذلك الحساب أرباحًا تجاوزت 1.2 مليون دولار قبل أن يختفي دون أثر.
لم يكن ذلك الحدث معزولًا. ففي السابع من أبريل، وقبل إعلان وقف إطلاق النار من قبل الرئيس الأمريكي آنذاك، ظهر الحساب نفسه مجددًا، راهن على نهاية الحرب، ربح، ثم اختفى مرة أخرى. تكرار هذا النمط فتح بابًا واسعًا من الأسئلة: من يمتلك هذه المعرفة الدقيقة بتوقيتات الحرب؟ وهل تحولت أسرار القرار السياسي إلى أدوات للمضاربة المالية؟
القصة لم تتوقف عند حدود إيران. قبل ساعات من عملية أمريكية لاعتقال رئيس فنزويلا، ظهر حساب مجهول آخر على المنصة ذاتها، متنبئًا بالحدث. وبالفعل، تم تنفيذ العملية، ليحصد صاحب الرهان أرباحًا كبيرة. غير أن هذه الواقعة تحديدًا دفعت السلطات الأمريكية إلى التحرك، لتكشف التحقيقات عن تورط جندي من القوات الخاصة، استغل معلومات حساسة حصل عليها أثناء التحضير للعملية لتحقيق مكاسب شخصية.
لكن المفارقة الصادمة كانت في عجز السلطات حتى الآن عن تحديد هوية أصحاب الحسابات التي تنبأت بحرب إيران، رغم حساسية الحدث وضخامته.
التحقيقات اللاحقة كشفت نمطًا أكثر تعقيدًا، حيث لم تقتصر الاستفادة على المراهنات، بل امتدت إلى أسواق الطاقة العالمية. فقبل إعلان رسمي عن أي تصعيد أو تهدئة، كانت تُسجل تحركات ضخمة في عقود النفط الآجلة، تُشير إلى معرفة مسبقة باتجاهات السوق. هذه العقود، التي تقوم على شراء النفط بأسعار حالية لتسليمه مستقبلًا، تتحول إلى منجم ذهب لمن يمتلك معلومة دقيقة عن توقيت الحرب أو نهايتها.
فارتفاع سعر البرميل من 80 إلى 120 دولارًا، مثلًا، يعني أرباحًا تصل إلى 40 مليون دولار في صفقة واحدة فقط إذا تعلق الأمر بمليون برميل. ومع تكرار العمليات، تتضاعف الأرباح إلى مستويات فلكية، خاصة حين تُستغل المعلومة ذاتها في البيع والشراء معًا، فضلًا عن المراهنات الرقمية.
وبالتوازي، كانت تصريحات الرئيس الأمريكي تتأرجح بين التصعيد والتهدئة، ما يؤدي إلى تقلبات حادة في الأسواق. ومع كل تصريح، كانت الحسابات المجهولة تتحرك مسبقًا، مستفيدة من التغيرات القادمة، في مشهد أثار شكوكًا داخل أروقة الكونغرس نفسه.
ولم تكن هذه الظاهرة جديدة بالكامل. ففي عام 2025، خلال أزمة الرسوم الجمركية، ظهرت حسابات راهنت على ارتفاع الأسهم قبل إعلان تأجيل القرار، وهو ما حدث بالفعل بعد دقائق من ظهور تلك التوقعات، محققًا أرباحًا ضخمة لأصحابها.
ومع اتساع نطاق التحقيق، برزت تساؤلات حول دوائر النفوذ القريبة من مركز القرار. تقارير أشارت إلى تشابكات بين السياسة والاستثمار، حيث تدفقت مليارات الدولارات عبر شركات مرتبطة بمقربين من الإدارة، واستُثمرت في قطاعات حساسة، من بينها الصناعات العسكرية.
كما كشفت تقارير صحفية عن تضارب مصالح داخل مؤسسات الحكم، إذ استثمر مسؤولون كبار في شركات دفاعية تستفيد مباشرة من استمرار النزاعات، ما يعزز فرضية أن الحروب لم تعد مجرد صراعات جيوسياسية، بل تحولت إلى أدوات لتحقيق أرباح مالية هائلة.
هذه الوقائع تعيد إلى الأذهان فضائح تاريخية في الولايات المتحدة، مثل قضية “Teapot Dome” في عشرينيات القرن الماضي، حين استُغلت موارد الدولة لتحقيق مكاسب شخصية، وكذلك قرارات اقتصادية كبرى مثل فك ارتباط الدولار بالذهب في سبعينيات القرن الماضي، والتي أعادت تشكيل النظام المالي العالمي.
لكن ما يميز المشهد الحالي هو تسارع الأحداث وتداخلها مع التكنولوجيا الحديثة، حيث أصبحت المعلومة—التي كانت يومًا أداة لحسم الحروب—وسيلة للربح من الحروب ذاتها.
في النهاية، يبقى السؤال الأهم معلقًا:
هل ستتمكن المؤسسات الرقابية من كشف ومحاسبة من يقف خلف هذا التلاعب واسع النطاق، أم أن عصر “تجارة المعلومات” قد تجاوز قدرة القانون على اللحاق به؟
بغداد