هيج زوج خيل ما مروا عليه
أحمد جاسم الزبيدي
أحيانًا أقف حائرًا أمام ما يبدعه شعبنا من طرائف… أو ما يبدعه قادتنا، وللإنصاف هم من صلب هذا الشعب، شئنا أم أبينا. أعدّ النجوم وأراقب تعاقب الليالي لعلّي أعثر على تفسير، لكن دون جدوى. الأجيال تختلف، وهذه سنة الحياة؛ كل جيل ينتقد الذي يليه، لكن أن يصل الأمر إلى أن يجلد الجيل نفسه بنفسه، فهنا لا بد من التوقف قليلًا والتأمل.
حديثي ليس عن الأجيال بقدر ما هو عن زمنٍ كانت فيه المقاهي أشبه بجامعات مفتوحة. لكل مقهى هويته وسمعته: هذا لليساريين تراقبه عيون الأمن، وذاك للقوميين، وثالث للعامة وأبناء السبيل. هناك، كانت السياسة تُدار على طاولات الشاي أكثر مما تُدار في مكاتب المسؤولين.
ومن تلك الأيام، أستعيد طرفة رواها لنا أستاذي في متوسطة المحاويل، أستاذ الرياضيات قحطان عجام، رحمه الله حيًّا أو ميتًا. قال إن اثنين في أحد المقاهي احتدم بينهما النقاش: أحدهما يمجّد خروتشوف، والآخر لا يرى في الدنيا غير جمال عبد الناصر. اشتعل الجدل حتى ضاق بهما المكان، ولم يجدا من يفصل بينهما.
وبينما هما في ذروة الحماسة، لمحا رجلًا مسنًا يجلس بهدوء، فاقتربا منه وكأنهما وجدا ضالتهما.
– عمي، مرحبًا… شتشتغل؟
رفع رأسه بهدوء وأجاب:
– أشتغل بالسياسة.
تهللت وجوه الاثنين، وكأن الحكم العادل قد حضر أخيرًا. بادر أحدهما بالسؤال بثقة المنتصر:
– عمي، شنو رأيك بجمال وخروتشوف؟
نظر إليهما الرجل بنصف ابتسامة، وقال عبارته التي لا تُنسى:
– عمي… هيج زوج خيل ما مرّوا عليه!
لحظتها فقط فهم الاثنان، وربما متأخرين، أن “السياسي” الذي أمامهما ليس أكثر من سايس خيل، وأن خبرته في السياسة لا تتجاوز ميدان السباق!
واليوم، بعد كل هذه السنين، أجد أن عبارة ذلك الشيخ ما زالت صالحة للاستعمال… بل ربما أكثر من أي وقت مضى. فكم من “خيول” مرّت ولم تمر على صاحبنا، وكم من “ساسة” امتلأت بهم الساحة، حتى صار كل من يرفع صوته خبيرًا، وكل من يكتب منشورًا منقذًا للأوطان.
الجميع اليوم يمارس السياسة… والجميع يريد إنقاذ العراق، لكن المشكلة أن «سايس الخيل» صار خبيرًا استراتيجيًا، وراكب الحصان صار فيلسوفًا، والميدان لم يعد يتسع لكل هذا الضجيج.
ولا أريد ذكر الأسماء… ليس خوفًا، بل لأن القائمة أطول من أن تُكتب، وفي عراقٍ تُفتح فيه القضايا بجرة قلم، قد أجد نفسي متهمًا لأنني فقط تذكرت حكاية «زوج الخيل»!