الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
السيرة الذاتية للوهم.. من وعد التأسيس إلى مهارة البقاء

بواسطة azzaman

السيرة الذاتية للوهم.. من وعد التأسيس إلى مهارة البقاء

أسامة أبو شعير

 

ليس أصعب على بلدٍ مثل العراق أن يبدأ، بل أن يستمر في البداية. فمنذ عام 2003، لم يكن النقص في اللحظة التأسيسية، بل في قدرتها على التحوّل إلى مسار. كأن كل خطوة إلى الأمام كانت تُعاد صياغتها كسؤال، وكل محاولة بناء تُفتح على احتمالات أكثر مما تُغلق من فجوات، حتى أصبح التقدم نفسه قابلًا للتأجيل، لا لغياب الإرادة، بل لتعددها.

ومع مرور الوقت، لم تعد المشكلة في ما نواجهه، بل في الطريقة التي نفسّر بها ما نواجهه. هنا تحديدًا، لم يعد الوصف كافيًا، وربما يكون من الأدق أن نترك “الوهم” يتحدث عن نفسه.

أنا الوهم… لكنني لست كما تظنون.

لم آتِ إلى العراق بعد 2003 ككذبةٍ صريحة، ولا فُرضتُ على أحد بالقوة. جئتُ كفكرةٍ تبدو معقولة في لحظتها، كاحتمالٍ يليق بمرحلةٍ تبحث عن بداية. كنتُ في أول ظهوري وعدًا بالتأسيس، بسيطًا ومباشرًا، يقول إن تغيير النظام يكفي لولادة الدولة، وإن إزالة العائق تفتح الطريق أمام البديل. لم أكن بحاجة إلى إثبات، لأنني كنتُ منسجمًا مع الرغبة، ومع ما أراد الجميع أن يصدقوه.

وعد كبير

ومع مرور الوقت، لم أختفِ، بل كبرتُ معكم. تعلّمتُ كيف أبدو أكثر إقناعًا، وأكثر مرونة.

لم أعد أتحدث عن البداية، بل عن النهاية، فصرتُ وهم النهوض. لم أعد أُسأل كيف يُبنى الشيء، بل متى يكتمل. امتلأتُ بالخطط، وتزيّنتُ بالوعود، حتى أصبحتُ حاضرًا في اللغة، كأنني واقعٌ يتحقق، لا فكرة تنتظر الاختبار. لم يكن غيابي هو المشكلة، بل كان حضوري في الخطاب كافيًا ليغني عن تحققي، حتى صار التأجيل جزءًا مني، لا دليلًا ضدي.

لكنني، مثلكم، واجهتُ حدودي. لم يعد ممكنًا أن أبقى وعدًا كبيرًا. فاخترتُ أن أكون أكثر واقعية، وأشد بقاءً. هكذا تحوّلتُ إلى وهم الإدارة بدل الحل. لم أعد أعد بالقفز، بل بالثبات، ولم أعد أُقاس بما أُنجز، بل بما أمنعه من الانهيار. صرتُ أُعيد ترتيب الأزمات، لا لأحلّها، بل لأضمن ألا تنفجر دفعة واحدة، وأقنعكم أن الأمور لم تسُؤ بعد بما يكفي لتتغير.

ولستُ بحاجة إلى أمثلة كثيرة لأُعرّف نفسي. يكفيني مشروعٌ واحد، يتكرر كل مرة بصيغة أكثر طموحًا: “القضاء على الفساد الإداري والمالي”. أظهر فيه بوضوح، لا حين يُعلن، بل حين يُعاد إعلانه، في كل مرحلة، كأنه لم يُجرّب من قبل. يتغيّر الخطاب، وتتبدل اللجان، وتُصاغ الخطط، وتُكتب لها جداول زمنية تُمدّد أكثر مما تُنفّذ، حتى يصبح التأجيل نفسه جزءًا من التصميم، لا خللًا فيه. لكن النتيجة تبقى في منطقة مؤجلة، لا تختفي تمامًا، ولا تتحقق بما يكفي. هناك، أكون في أفضل حالاتي: لا أُطالب بالإنجاز، بل أكتفي بأن أبقى ممكنًا، حاضرًا بما يكفي لتبرير الانتظار، وغائبًا بما يكفي لتفادي المساءلة. فأنا لا أعيش في الفشل، بل في الوعد الذي لا يُختبر بما يكفي ليُحكم عليه.

عود متكررة

ولستُ بعيدًا عن تفاصيل حياتكم اليومية. تجدونني في ملفٍ لا يغيب عن صيفٍ ولا يكتمل في شتاء: الكهرباء. أظهر هناك، لا في انقطاعها فقط، بل في وعودها المتكررة، في الخطط التي تُعلن كل عام بصيغة أكثر تفاؤلًا، وفي الأرقام التي تتغير أكثر مما يتغير الواقع. تتوسع الشبكات على الورق، وتُزاد ساعات التجهيز في الخطاب، لكن التجربة اليومية تبقى في منطقة بين التحسّن المؤقت والتراجع المفاجئ. هناك أيضًا، لا أحتاج أن أُخفي نفسي، بل يكفيني أن أُعيد تقديم التأجيل كتحسّن قادم، وأن أجعل الانتظار جزءًا من الحل. فالكهرباء هنا ليست خدمة مكتملة، بل وعد يتجدد.

ولا أعيش هناك وحدي. ففي بيئةٍ يغلب عليها الطابع الريعي، لا يكون الفساد مجرد انحراف عن القاعدة، بل جزءًا من طريقة عملها. تُدار الموارد لا بوصفها أدوات إنتاج، بل كوسائل توزيع، وتُعاد صياغة الأولويات بما يحفظ التوازن أكثر مما يصنع القيمة. هنا، لا أعمل ضد الاقتصاد، بل من داخله، حيث يصبح تأجيل الإصلاح خيارًا عقلانيًا ضمن نظامٍ يخشى كلفة التحول أكثر مما يحتمل كلفة الاستمرار. أنا لا أحتاج أن أختفي، بل يكفيني أن أبقى في منطقةٍ رمادية، لا يُقضى عليّ بما يكفي، ولا أظهر بما يكفي، لأن وضوحي الكامل قد يفرض مسارًا تنمويًا حاسمًا، وغيابي الكامل قد يخلّ بتوازنٍ اعتاد عليه الجميع.

ومع الوقت، لم أعد استثناءً. صرتُ القاعدة. لم أعد وعدًا، بل بيئة. وهنا وصلتُ إلى مرحلتي الأكثر نضجًا: مهارة البقاء. لم أعد أطرح السؤال: كيف ننهض؟ بل: كيف نعيش؟ خفّضتُ التوقعات بهدوء، حتى صار ما كان مرفوضًا بالأمس، مقبولًا اليوم. لم أغيّر الواقع، بل غيّرتُ طريقة رؤيتكم له، حتى أصبح ما لا يُحتمل، قابلًا للاحتمال.

لكن، دعوني أكون صريحًا معكم: أنا لم أفرض نفسي عليكم. أنتم من صنعني، ثم اعتدتم عليّ. ورثتموني كما ورثتم أسماءكم، ولم تتوقفوا طويلًا لتسألوا: هل ما زلتُ صالحًا؟ ومع الوقت، صرتُ جزءًا من بداهاتكم، لا أحتاج إلى دليل، بل أكتفي بطول بقائي بينكم. أنتم لا تدافعون عني لأنني صحيح، بل لأنني مألوف، ولا تحمونني لأنني مقنع، بل لأنني مستقر في وعيكم بما يكفي ليبدو كذلك.

وعند هذه النقطة، يتغير السؤال. لا يعود: لماذا لا تتقدمون؟ بل: كيف استطعتم أن تستمروا بهذا الشكل؟ وهو سؤال يبدو مدحًا لقدرتكم على التكيّف، لكنه، في جوهره، اعتراف بقدرتكم على التعايش مع ما لا يُحل.

فإن سألتم: هل أنا المشكلة؟

أقول: لستُ وحدي. المشكلة تبدأ حين تفقدون القدرة على التمييز بيني وبين الواقع، وحينها فقط، لا تعود الأزمات ما يهددكم، بل ما لا ترونه منها.

وربما تبدأ أولى لحظات الخروج، لا حين تتغير الوقـائع، بل حين تستعيدون القدرة على رؤيتها كما هي، لا كما اعتدتم أن تروها. لكن الرؤية وحدها لا تكفي، ما لم تقترن بقدرةٍ على كسر ما اعتدتم عليه، لا على التكيّف معه.

لكن دعوني أترك لكم السؤال الأصعب: هل أنتم مستعدون فعلًا لتحمّل الواقع كما هو… دوني؟


مشاهدات 36
الكاتب أسامة أبو شعير
أضيف 2026/04/27 - 2:47 PM
آخر تحديث 2026/04/28 - 2:09 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 90 الشهر 24321 الكلي 15242394
الوقت الآن
الثلاثاء 2026/4/28 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير