الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
إنهم يتهامسون في رأسي ومسرحيات أخرى.. كتاب يعلن عودة الصوت الداخلي إلى الصدارة

بواسطة azzaman

إنهم يتهامسون في رأسي ومسرحيات أخرى.. كتاب يعلن عودة الصوت الداخلي إلى الصدارة

بغداد - الزمان

في لحظة ثقافية مشحونة بالدلالات، ووسط حراك فني يسعى إلى استعادة وهج المسرح العراقي بوصفه مرآة للإنسان وقلقه وأسئلته الكبرى، صدر العمل المسرحي الجديد للكاتب شوقي كريم حسن بعنوان (إنهم يتهامسون في رأسي… ومسرحيات أخرى)، عن نقابة الفنانين العراقيين وبالتعاون مع دار بوك سايننك، وتحت إشراف الفنان محمد علوش، في إصدارٍ يعيد الاعتبار للنص المسرحي بوصفه فعلًا فكريًا وجماليًا متكاملًا.هذا الإصدار، الذي يضم اثنتي عشرة مسرحية، يأتي ليؤكد أن المسرح لا يزال قادرًا على أن يكون مساحة للمواجهة، لا للهروب، وأن النص يمكن أن يكون ساحة صراع حي بين الإنسان وذاته، بين ما يُقال وما يُخفى، بين الوعي وما يختبئ في طبقاته العميقة.

منذ العنوان، يضعنا شوقي كريم حسن أمام تجربة مختلفة؛ تجربة لا تنتمي إلى المسرح التقليدي بقدر ما تنفتح على عوالم داخلية كثيفة، حيث تتحول الهمسات إلى حضور طاغٍ، وتغدو الرأس مسرحًا مكتظًا بالأصوات، متنازعًا بين الرغبات والندم والذاكرة والخوف.

في هذه المجموعة، لا يكتفي الكاتب بتقديم نصوص منفصلة، بل يبني ما يشبه المشروع المسرحي المتكامل، حيث تتجاور النصوص وتتحاور، وتتقاطع ثيماتها حول فكرة مركزية تكاد تكون خيطًا خفيًا يربطها جميعًا: الإنسان وهو يصغي إلى صوته الداخلي في عالم يزداد ضجيجًا. الشخصيات هنا ليست نماذج جاهزة أو قوالب مألوفة، بل كائنات هشة، متوترة، مأزومة، تبحث عن معنى لوجودها، وتكافح من أجل أن تبقى، حتى وهي على حافة الانهيار.اللغة التي يشتغل عليها شوقي كريم حسن في هذه المسرحيات تنتمي إلى منطقة حساسة بين الشعر والدراما، إذ تتسم بكثافة عالية، وإيحاءات متعددة، وقدرة على خلق صور ذهنية عميقة دون أن تفقد اتصالها بالحياة اليومية. الحوارات ليست مجرد تبادل للكلام، بل هي اشتباك حقيقي، صراع بين أصوات متعددة داخل الشخصية الواحدة أحيانًا، وبين شخصيات تتقاطع مصائرها وأحلامها في فضاء مسرحي مفتوح على التأويل.

ويبرز في هذا العمل حضور واضح لفكرة “التشظي”، سواء على مستوى البناء أو الشخصيات أو الزمن، حيث لا تسير الأحداث بخط مستقيم، بل تتكسر وتعود وتتداخل، في بنية أقرب إلى الذاكرة منها إلى السرد التقليدي. هذا الخيار الجمالي يمنح النصوص طاقة خاصة، ويجعلها أكثر قدرة على التعبير عن تعقيد التجربة الإنسانية، خصوصًا في سياق عراقي مثقل بالتحولات والانكسارات والأسئلة المفتوحة.الإشراف الذي تولاه الفنان محمد علوش جاء ليمنح هذا المشروع صلابة تنظيمية ورؤية إخراجية واعية، انعكست على طريقة تقديم النصوص وانتقائها، فيما كان لدور نقابة الفنانين العراقيين أهمية كبيرة في احتضان هذا العمل، بوصفه جزءًا من مسؤوليتها في دعم الإبداع المسرحي ورعاية الكُتّاب الذين يسعون إلى تجديد الخطاب الفني.

أما دار بوك سايننك، فقد تعاملت مع الكتاب بوصفه منتجًا ثقافيًا متكاملًا، فظهر بإخراج فني يليق بمضمونه، ويمنحه حضورًا بصريًا يوازي حضوره الفكري.وفي خضم هذا الجهد الجماعي، يبرز اسم نقيب الفنانين جبار جودي، الذي كان له دور واضح ومؤثر في إنجاز هذا العمل وخروجه إلى النور، في مساهمة تعكس أهمية التلاقي بين الخبرة الأكاديمية والرؤية الإبداعية، وتؤكد أن المسرح لا يمكن أن ينهض إلا عبر هذا التكامل بين النظرية والتطبيق.

ما يجعل 0إنهم يتهامسون في رأسي… ومسرحيات أخرى) عملًا استثنائيًا، هو أنه لا يسعى إلى إرضاء القارئ أو المشاهد، بل إلى إزعاجه، إلى دفعه نحو التفكير، نحو مواجهة ذاته، نحو الإصغاء إلى تلك الهمسات التي يحاول تجاهلها. إنها نصوص تطرح أسئلة أكثر مما تقدم إجابات، وتفتح جراحًا بدل أن تغلقها، لكنها في ذلك كله تمنح القارئ تجربة إنسانية عميقة، قد تكون قاسية، لكنها حقيقية.بهذا الإصدار، يرسّخ شوقي كريم حسن مكانته كأحد الأصوات المسرحية التي تكتب بوعي حاد، وبحساسية عالية تجاه الإنسان وهمومه، مؤكدًا أن المسرح لا يزال قادرًا على أن يكون فعل مقاومة، وصوتًا للداخل، ومساحة لقول ما لا يُقال. (إنهم يتهامسون في رأسي) ليس مجرد عنوان، بل إعلان صريح عن عودة الهمس إلى الواجهة… همسٌ قد يكون أصدق من كل الضجيج.

 

 


مشاهدات 61
أضيف 2026/04/27 - 1:09 PM
آخر تحديث 2026/04/28 - 1:56 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 90 الشهر 24321 الكلي 15242394
الوقت الآن
الثلاثاء 2026/4/28 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير