الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
وما كذب الفؤاد ما رأى حين يشهد القلب على الظلم ولو صمت الجميع



وما كذب الفؤاد ما رأى حين يشهد القلب على الظلم ولو صمت الجميع
مها العدواني 


تأتي الآية الكريمة ﴿وَمَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾ لتضع معياراً عميقاً للصدق الداخلي ، حيث يتطابق الإدراك الباطن مع الحقيقة دون تحريف أو خوف. إنها لحظة صفاء يبلغ فيها الإنسان درجة من اليقين تجعله غير قادر على إنكار ما تبصره روحه ، حتى لو حاول الواقع من حوله إرباكه أو إسكات صوته .

هذه الآية وردت في سياق رؤية النبي ﷺ لجبريل عليه السلام، حيث يؤكد الله تعالى أن قلب النبي لم يُكذّب ما رآه بصره ، بل كان الإدراك الداخلي متسقاً مع الحقيقة التي تجلت أمامه بوضوح لا يحتمل الشك.
غير أن عمق الآية لا يتوقف عند الحدث التاريخي ، بل يمتد ليخاطب كل إنسان يعيش صراعاً بين ما يراه حقاً في داخله ، وبين ما يُفرض عليه أن يصدقه في واقعه ، والفؤاد هو أعمق درجات القلب ، وهو موضع الشعور والوعي والبصيرة ، وقوله تعالى "ما كذب" أي لم يشك ولم ينكر ولم يحاول تحريف الحقيقة.
أما "ما رأى" فتعني ما شاهده النبي رؤية يقينية لا لبس فيها.

وقد أشار المفسرون إلى أن الآية تدل على كمال الصدق الداخلي ، حيث لا يتناقض القلب مع الحقيقة إذا كان سليماً من الهوى والاضطراب ، فالقلب حين يكون نقياً، لا يحتاج إلى جدل طويل ليعرف الحق، بل يطمئن إليه مباشرة ، حين يصبح الفؤاد شاهداً على الحقيقة ففي واقع الحياة ، كثيراً ما يقف الإنسان أمام مواقف يرى فيها الحقيقة بوضوح، لكنه يتعرض لضغط اجتماعي أو عاطفي يدفعه لإنكار ما أدركه قلبه ، قد يرى ظلماً يُرتكب باسم العادات.
إساءة تُبرَّر بحجة الحفاظ على الأسرة ، انتهاكاً يُخفى تحت ستار الصمت ، ومع ذلك يبقى الفؤاد مدركاً أن ما يحدث ليس عدلاً .
إن أخطر ما قد يواجهه الإنسان ليس أن يُخدع، بل أن يُجبر على تكذيب ما يعلم في داخله أنه حق.
اما لو ربطنا الآية مع الظلم الاجتماعي ، فالظلم الاجتماعي لا يبدأ دائماً بالعنف المباشر ، بل يبدأ غالباً بمحاولة إقناع الضحية بأن ما يحدث طبيعي أو مستحق ، كم من إنسان شعر في داخله أن ما يتعرض له إهانة ، لكنه سمع عبارات مثل "تحمّل من أجل الاستقرار" ،
"كل الناس تمر بهذا"
"لا تكبّر الموضوع"
"السمعة أهم من الحقيقة" .وهنا تبدأ المعركة بين الحقيقة التي يراها الفؤاد ، والرواية التي يفرضها المجتمع ، الفؤاد الصادق لا يكذب ، لكنه قد يُجبر على الصمت ، اما عن ارتباط الآية بواقع العنف الأسري ، ففي كثير من حالات العنف الأسري، تدرك الضحية منذ اللحظة الأولى أن ما يحدث ليس طبيعياً ، وأن الكرامة تُنتهك ، لكن الضغوط النفسية والاجتماعية تحاول إعادة تعريف الألم على أنه "واجب" أو "صبر محمود".
مثال واقعي متكرر امرأة تتعرض للإهانة اللفظية المستمرة، فيُقال لها "هو متعب فقط" "الرجال هكذا" "لا أحد يعيش بلا مشاكل" ، لكن الفؤاد لا يخطئ الإحساس بالإهانة ، لأن الكرامة قيمة فطرية.
ومع تكرار العنف ، تحاول الضحية إقناع نفسها أن الأمر عادي ، بينما يبقى في داخلها صوت هادئ يقول:
هذا ليس عدلاً ، وهنا تتجلى دلالة الآية "القلب لا يكذب ما يراه من ألم".
اما الصمت القسري وتكذيب الحقيقة ، فأحياناً لا يُطلب من الإنسان فقط أن يتحمل الظلم ، بل أن ينكر وجوده ، أن يقول: "أنا بخير" بينما قلبه يعلم غير ذلك ، أن يبتسم أمام الناس، بينما داخله يصرخ ، تكذيب الفؤاد أخطر من الألم نفسه ، لأنه يخلق انقساماً داخلياً يفقد الإنسان ثقته بنفسه وبإدراكه ، ولهذا فإن الاعتراف بالحقيقة هو الخطوة الأولى نحو التغيير .
وسادرج هنا أمثلة من الواقع ، تبرير العنف باسم الحفاظ على الأسرة
قد تُطلب التضحية الدائمة من طرف واحد فقط، ويُسمى ذلك حفاظاً على البيت، بينما الحقيقة أن البيت لا يقوم على إلغاء كرامة أحد ، الفؤاد يدرك أن العلاقة الصحية لا تُبنى على الخوف ، لوم الضحية بدلاً من إنصافها في بعض البيئات، يتم البحث عن خطأ الضحية بدلاً من محاسبة المعتدي ، مثال التساؤل عن تصرفات المرأة أو أسلوبها بدلاً من رفض الإساءة نفسها.
القلب السليم يرى بوضوح أن الخطأ لا يبرر الإهانة ، الصبر الذي يتحول إلى استنزاف ، الصبر قيمة عظيمة، لكنه لا يعني القبول بالإذلال ، حين يتحول الصبر إلى صمت دائم عن الأذى ، يدرك الفؤاد أن التوازن قد اختل ، إدراك الخطر قبل تفاقمه
كثير من قصص العنف تبدأ بإشارات صغيرة يتم تجاهلها ، لكن الفؤاد يرى التراكم حتى عندما يحاول العقل تبريره ، اما الفرق بين صوت الفؤاد وصوت الخوف ، فالفؤاد الصادق
هادئ لكنه واضح
ثابت لا يتغير مع الضغوط
ينسجم مع الكرامة والعدل
لا يدعو للانتقام بل للإنصاف ، أما الخوف يبرر الظلم ، يطلب الصمت الدائم يقنع الانسان انه لايستحق الافضل
ان قوله تعالى (وماكذب الفؤاد ما رأى) ليس مجرد وصف لحدث غيبي بل قاعدة انسانية عميقة الحقيقة قد تحاصر بالكلام لكنها لاتختفي من القلب
قد يطول الصمت لكن الفؤاد يبقى شاهدا .
وقد يحاول البعض اقناع الضحية ان الالم وهم لكن القلب لايكذب ، حين يدرك الانسان الحقيقة في داخله
فانه يخطو اول خطوه نحو استعادة توازنه وكرامته
فالعدل يبدأ من الاعتراف بان الظلم موجود والتغيير يبدأ من لحظة صدق مع النفس .

 

قاضية متقاعدة


مشاهدات 31
الكاتب مها العدواني 
أضيف 2026/04/26 - 3:36 PM
آخر تحديث 2026/04/27 - 12:30 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 36 الشهر 23288 الكلي 15241361
الوقت الآن
الإثنين 2026/4/27 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير