الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
هل التظلّم مذلّة أم وسيلة مشروعة لإسترداد الحقوق؟

بواسطة azzaman

هل التظلّم مذلّة أم وسيلة مشروعة لإسترداد الحقوق؟

عباس التميمي

 

يُعدّ التظلّم في القانون العراقي من أهم الآليات القانونية التي كفلها المشرّع لحماية الأفراد من تعسف الإدارة، وهو وسيلة قانونية تتيح لصاحب المصلحة الاعتراض على القرارات الإدارية غير المشروعة قبل اللجوء إلى القضاء، ويُجسّد التظلّم مبدأ سيادة القانون وخضوع الإدارة له، بما يحقق التوازن بين السلطة العامة وحقوق الأفراد.

   فالتظلّم هو طلب يقدّمه الفرد إلى الجهة الإدارية التي أصدرت القرار أو إلى جهة رئاسية أعلى منها، بقصد إعادة النظر في قرار إداري يُعتقد أنه مخالف للقانون أو مشوب بعيب من عيوب المشروعية، كعيب الاختصاص أو الشكل أو السبب أو إساءة استعمال السلطة.

ويستند نظام التظلّم في العراق إلى عدد من النصوص القانونية، أبرزها: قانون مجلس الدولة العراقي رقم 65 لسنة 1979 المعدّل، الذي ينظم عمل القضاء الإداري واختصاصاته -   قانون مجلس شورى الدولة العراقي (التسمية السابقة لمجلس الدولة)، والذي أرسى قواعد الرقابة على مشروعية القرارات الإدارية -  المبادئ العامة في القانون الإداري التي تقضي بضرورة تمكين الإدارة من تصحيح أخطائها قبل عرض النزاع على القضاء. وينقسم التظلّم في القانون العراقي إلى نوعين رئيسيين هما - التظلّم الولائي (الإداري) وهو الذي يُقدَّم إلى نفس الجهة التي أصدرت القرار، بهدف مراجعة القرار وإلغائه أو تعديله - التظلّم الرئاسي الذي     يرفع إلى الجهة الإدارية الأعلى من الجهة التي أصدرت القرار، ويهدف إلى ممارسة الرقابة الرئاسية على القرارات الإدارية.

آثار قانونية

فمن شروط التظلّم ، لكي يكون مقبولاً، يجب أن تتوافر فيه مجموعة من الشروط: أن يكون القرار المطعون فيه قراراً إدارياً نهائياً - أن يُقدَّم خلال المدة القانونية (غالباً خلال 30 يوماً من تاريخ العلم بالقرار) -أن يكون مقدّماً من ذي صفة ومصلحة- - أن يتضمن أسباباً واضحة تدعم طلب الإلغاء أو التعديل.

ويترتب على تقديم التظلّم عدة آثار قانونية مهمة منها - قطع أو وقف المدد القانونية للطعن القضائي أمام القضاء الإداري - إتاحة الفرصة للإدارة لتصحيح أخــــــــــــطائها دون تدخل القضاء - تعزيز مبدأ المشروعية من خلال مراجعة القرارات داخلياً.

 وبعد أن عرفنا بعض ما جاء عن التظلم من أساسيات، ينطرق سؤال هل التظلّم مذلّة أم وسيلة مشروعة لاسترداد الحقوق؟

هذا السؤال لا يعكس مجرد موقف عابر، بل يكشف عن إشكالية عميقة بين ثقافة الكرامة الفردية وفلسفة القانون

، فمن الناحية اللغوية والاجتماعية، قد يُفهم التظلّم عند البعض على أنه انحناء أو اعتراف بالضعف، خاصة في المجتمعات التي تُعلي من قيمة الصبر أو “تحمّل الظلم” باعتباره نوعاً من القوة، غير أن هذا الفهم، في حقيقته، يخلط بين الخضوع والاستكانة من جهة، وبين المطالبة المشروعة بالحق من جهة أخرى.

أما من الناحية القانونية، فإن التظلّم يُعدّ حقاً أصيلاً من حقوق الأفراد، بل هو أحد أهم الضمانات التي كفلها القانون لتحقيق العدالة، فالتظلّم ليس توسّلاً ولا خضوعاً، بل هو إجراء قانوني يهدف إلى مراجعة القرارات الإدارية وتصحيحها قبل اللجوء إلى القضاء العام أو القضاء التخصصي الإداري، وفي إطار القانون الإداري العراقي، يُعدّ التظلّم خطوة أولية تُعبّر عن وعي قانوني ونضج في التعامل مع النزاعات، حيث يمنح الإدارة فرصة لتدارك أخطائها دون تصعيد.

صمت سلبي

إن النظر إلى التظلّم باعتباره مذلّة يُضعف من ثقافة المطالبة بالحقوق، ويُكرّس حالة من الصمت السلبي التي تُغذّي الظلم بدلاً من مقاومته، فالشخص الذي يتظلّم لا يطلب صدقة، بل يُطالب بحق كفله له القانون، ويُمارس دوراً إيجابياً في تصحيح مسار العدالة، أما على المستوى الأخلاقي، فإن الكرامة لا تتعارض مع التظلّم، بل تتجلى فيه، لأن الكرامة الحقيقية لا تعني السكوت عن الخطأ، بل الوقوف بثبات للمطالبة بالإنصاف. والتاريخ مليء بنماذج لأفراد وجماعات لم يستعيدوا حقوقهم إلا عبر التظلّم والاعتراض المشروع.وقد يتحول التظلّم إلى أداة غير فعّالة أو حتى مُحبِطة إذا قوبل بالإهمال أو التعسف من الجهات المختصة، وهنا تكمن المشكلة في التطبيق لا في المبدأ، لذلك فإن تعزيز فعالية نظام التظلّم يتطلب شفافية، وسرعة في البت، وضمانات حقيقية للاستجابة ،  ويجب ألا يغيب عن البال بأن التظلّم في القانون العراقي أداة فعّالة لتحقيق العدالة الإدارية، إذ يوفّر وسيلة مرنة وسريعة لمراجعة القرارات الإدارية قبل تصعيد النزاع إلى القضاء، ومع تطور النظام القانوني، تبرز الحاجة إلى تعزيز فعالية هذا النظام من خلال تبسيط إجراءاته، وتوسيع نطاقه، وضمان التزام الإدارة بالرد على التظلّمات ضمن مدد محددة، بما يرسّخ الثقة بين المواطن والإدارة.

ومن هنا يمكن القول بأن التظلّم ليس مذلّة، بل هو تعبير راقٍ عن الوعي بالحقوق، وأداة قانونية لتحقيق العدالة.

والمجتمع الذي ينظر إلى التظلّم بعين الاحترام هو مجتمع يُدرك أن الكرامة لا تُصان بالصمت، بل بالمطالبة المشروعة والواعية بالحق.

 


مشاهدات 49
الكاتب عباس التميمي
أضيف 2026/04/25 - 3:51 PM
آخر تحديث 2026/04/26 - 12:21 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 36 الشهر 22246 الكلي 15240319
الوقت الآن
الأحد 2026/4/26 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير