الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
أمن الطاقة في الخليج.. بين صدمة الحظر النفطي 1973 وإختناق الممرات 2026

بواسطة azzaman

أمن الطاقة في الخليج.. بين صدمة الحظر النفطي 1973 وإختناق الممرات 2026

إبراهيم بحر العلوم

 

شكل الهجوم العسكري الذي نفذته الولايات المتحدة وإسرائيل في 28 شباط الماضي ضد ايران، في خضم مفاوضات جنيف وبرعاية سلطنة عمان، نقطة تحول مفصلية في مسار التوترات الإقليمية، اذ أدى الى اندلاع الحرب التي ما زالت مستمرة في اسبوعها الرابع، والقت بظلالها المباشرة على أسواق الطاقة العالمية واقتصاديات واستقرار دول المنطقة. فقد بادرت ايران، رداً على تلك الاعتداءات، الى تنفيذ تهديداتها باغلاق مضيق هرمز امام تدفق نفط وغاز الدول الخليجية الى الأسواق الدولية، ما أدى الى حرمان العالم من اكثر من 20 بالمئة من النفط والغاز، في تطور يعكس عمق الترابط بين الجغرافيا السياسية للطاقة واستقرار الاقتصاد العالمي.

لقد مثلت مصادر الطاقة، على مدى العقود الماضية، أدوات فاعلة للضغط الجيوسياسي، واتخذت استخداماتها مسارات متعددة أسهمت في إعادة تشكيل موازين القوة السياسية والاقتصادية والعسكرية والتي جاءت كردود أفعال تجاه سياسات القوى العظمى. وقد شهدت أسواق الطاقة تحولات مؤثرة نتيجة صدمات متكررة، ناجمة عن التحكم بإنتاج الطاقة، او بمسارات تدفق الطاقة، او بالممرات الاستراتيجية مما يعرقل في محصلتها حركة امدادات الطاقة.

وعلى الرغم من تباين آثار هذه الصدمات على اقتصاديات الطاقة، الا ان القاسم المشترك بينها هو في توظيف موارد الطاقة كأدوات استراتيجية لتحقيق اهداف سياسية،  وهو ما يضفي عليها بعداً مزدوجاً بوصفها سلعة استرتيجية واداة سياسية في آن واحد.  وفي هذا السياق، تسعى هذه الورقة الى تحليل ابرز الصدمات المؤثرة في الاقتصاد العالمي نتيجة توظيف موارد الطاقة في الشرق الأوسط، مع التركيز على تداعيات اغلاق المضيق على اقتصاديات دول الخليج النفطية واسواق الطاقة. كما تتضمن تقديم رؤية مستقبلية نحو إعادة بناء المنظومة الخليجية كضرورة استراتيجية لضمان امن الطاقة والممر الاستراتيجي.

1-صدمة عام 1973- النفط كسلاح

يمثّل قرار حظر النفط العربي في عام 1973، الذي قادته المملكة العربية السعودية مع الدول العربية المصدرة للنفط تجاه الولايات المتحدة وأوروبا، أول استخدام منظم وفعّال للطاقة بوصفها أداة ضغط جيوسياسي. اذ لجأت الدول العربية المنتجة للنفط (اوابك) إلى توظيف النفط في سياق الصراع العربي–الإسرائيلي، للضغط على الولايات المتحدة والدول الداعمة لإسرائيل لإعادة النظر في انحيازها السياسي والعسكري في حرب اكتوبر1973.

وقد استند هذا التوجه الى معطيات بنيوية تمثلت في الاعتماد الكبير للاقتصادات الغربية على نفط الشرق الأوسط، في ظل محدودية البدائل وغياب المخزونات الاستراتيجية، ما جعل قرارات الخفض النسبي في الإمدادات النفطية من البلدان المنتجة (نحو 6–7 بالمئة من السوق العالمي) كافية لإحداث صدمة اقتصادية عميقة. وقد أسهم ذلك في إعادة تشكيل البنية الطاقوية لتوازن القوة بين المنتجين والمستهلكين، لمواجهة تحدي استخدام النفط  كأداة سيادية في العلاقات الدولية.

2-صدمة 2026 -الجغرافيا كسلاح

تمثل ازمة الاغلاق النسبي لمضيق هرمز في الحرب الراهنة اذار/مارس عام 2026، خطوة عالية الخطورة في سياق استخدام (سيادة الجغرافيا) للممرات البحرية كسلاح، في مواجهة الحرب التي تقودها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد ايران

حروب كبرى

وتكتسب هذه الخطوة أهميتها من كونها الأولى من نوعها منذ بدء تصدير النفط من الدول المطلة على الخليج في العشرينات من القرن الماضي، و رغم مرور المنطقة  بحروب كبرى عدة، منها الحرب العراقية-الإيرانية (1981-1988)، وحرب تحرير الكويت (1991) -وحرب اسقاط نظام صدام (2003)، الا ان الإعلان  عن اغلاق المضيق امام حركة السفن التجارية والناقلات النفطية في الاتجاهين، شكل تحولاً جذرياً في مواجهة التهديدات العسكرية.  اذ يعتبر مضيق هرمز احد ابرز نقاط الاختناق في تدفق موارد الطاقة  حيث  يفضي اغلاقه الى تعطيل ما يقارب 20 بالمئة من تجارة النفط العالمية، ونسب كبيرة من صادرات الغاز المسال إضافة الى اضطراب خطوط التجارة الدولية.

3-المقارنة والتحول في مفهوم سلاح الطاقة

في هاتين المقاربتين المذكورتين، كان الدافع لاستخدام النفط كسلاح هو لمواجهة العدوان الإسرائيلي-الأمريكي، سواء عام 1973 خلال الحرب على مصر وسوريا او في عام 2026 في سياق الحرب على ايران. ففي الحالة الأولى كان الاستخدام قائما على التحكم بالإنتاج والامدادات، بينما اصبح في الحالة الثانية قائما على التحكم بالممرات الجغرافية الحيوية.  وفي كلا الحالتين، ارتبط استخدام الطاقة في سياق الصراع مع إسرائيل والولايات المتحدة، ما دفع الدول المنتجة الى توظيف مواردها تارة وممراتها تارة أخرى في مواجهة التحديات وتصبح فيها “جغرافيا الطاقة” أكثر تأثيرًا من “اقتصاديات الطاقة”، بما يعيد تعريف معادلات القوة بين الدول المنتجة والمستهلكة على حد سواء.

ويتميّز النمط الأخير من المواجهة في الصراع الدائر بثلاث سمات أساسية: أولًا، الأثر الفوري على الاسعار مما أحدث صدمة آنية في الأسواق؛ ثانيًا، شموليته في التأثير على مختلف الاطراف؛ وثالثًا، المخاطر العسكرية اذ يرفع احتمالات التدخل العسكري لضمان حرية الملاحة. وهنا تتحول الجغرافيا الى عامل حسم في امن الطاقة.

وعند مقارنة تداعيات المقاربتين على أسعار الطاقة، يظهر ان اغلاق الممرات البحرية، وبخاصة مضيق هرمز، يحمل تداعيات اعمق من خفض الإنتاج، نظراً لارتباطه بسلاسل الامداد والتجارة الدولية. ففي حالة النفط الخام، ففقدان السوق لحوالي 15 مليون برميل يوميا، في ظل استهلاك يقارب 100 مليون برميل يومياً، يمكن ان يدفع الأسعار الى مستويات قد تصل الى 200 دولار للبرميل في حال استمرار الازمة. وتكشف المقاربة بين الحالتين عن جملة من النتائج:

1- رغم الفارق الزمني الذي يتجاوز اكثر من نصف قرن (1973-2026)، ما تزال موارد الطاقة في الخليج تمثل رقماً صعباً في معادلة سوق الطاقة الدولية. كما ان سياسات الولايات المتحدة ودعمها لإسرائيل تظل تلعب دوراً مؤثرا في زعزعة استقرار أسواق الطاقة ودافعاً لاستخدام الطاقة كسلاح.

2-هناك تحول نوعي في مفهوم “سلاح الطاقة”، إذ انتقل من أداة التحكم بالإنتاج (1973) إلى أداة جيو-مكانية للتحكم بالممرات (2026)، حيث أصبحت القدرة على تأمين تدفق الطاقة عبر المسارات الامنة أداة ضغط لا تقل أهمية عن امتلاك الموارد.

رابعا- كلفة الصراع- الشعوب اولاً

بعد مرور أربعة أسابيع على اندلاع الحرب، لايزال من الصعب التنبوء بمآلاتها. الا ان المؤكد ان المتضرر الأول من استمرارها هو شعوب المنطقة، التي تتحمل الكلفة الأكبر من عدم الاستقرار. فلم تقتصر الحرب هذه المرة بين ايران وإسرائيل وامريكا، بل اتسعت لتشمل استهداف جميع القواعد الأميركية في البلدان الخليجية،  اذ تعتبر ايران ان هذه القواعد تستخدم منطلقات للعدوان على اراضيها، وكذلك اغلاق مضيق هرمز، مما أوقف عمليا حركة صادرات النفط والغاز بشكل كامل للعراق والكويت وقطر وجزئيا لباقي الدول الخليجية.

فقد أظهرت الأسابيع الأربعة من الحرب حجم الدمار الذي طال ايران ودول الخليج، ليس فقط على مستوى البنية التحتية، بل على مستوى تعطل التنمية، وادت الى تقويض جهود استمرت لعقود في بناء اقتصاديات متنوعة، بما يخدم اهداف إسرائيل الساعية الى إبقاء المنطقة في حالة استنزاف دائم.  وفي هذا السياق، لا تهدف هذه الورقة الى تقييم مواقف الأطراف، بقدر ما تسعى الى استخلاص الدروس. اذ يتكرر نمط الصراع منذ عقود، دون مراجعات استراتيجية كافية، سواء من قبل ايران او دول الخليج او العراق الذي ما يزال ساحة لتقاطع المصالح الدولية والإقليمية.

خامساً- نحو إعادة بناء المنظومة الخليجية

اطار تقليدي

ان تكرار الازمات في منطقة الخليج يفرض ضرورة التفكير في إعادة بناء المنظومة الخليجية على أسس واقعية، تتجاوز الاطار التقليدي لمجلس التعاون الخليجي، نحو صيغة أوسع تشمل الدول الثمان المطلة على الخليج (الدول الست، إضافة الى العراق وايران)، ضمن ما يمكن تسميته بصيغته (ستة زائدا اثنين).

وتستند هذه الرؤية الى حقيقة الترابط الجغرافي بين هذه الدول التي تشترك في فضاء جغرافي واحد، وتمتلك مجتمعة اكثر من ثلثي احتياطات النفط والغاز في العالم، وتشترك بممر مائي استراتيجي واحد، ما يجعل أمنها واستقرارها مترابطين بشكل عضوي.إن فكرة “ستة زائد اثنين” تمثل مدخلًا واقعيًا لإعادة تعريف الأمن الإقليمي، وتمثل انتقالاً من منطق الاستقطاب والتحالفات الخارجية، الى منطق التعاون الإقليمي القائم على المصالح المشتركة.، رغم ما يحيط بها من تحديات في ظل تداخل الادوار الإقليمية والدولية.

سادسا : دور العراق في إعادة تشكيل أمن الخليج

لا يمكن تصور إعادة بناء المنظومة الخليجية دون دور فاعل ومحوري للعراق، ليس فقط بوصفه دولة مطلة على الخليج، بل باعتباره عقدة جيوسياسية وجيو-اقتصادية تربط بين المشرق العربي وإيران والخليج وآسيا الوسطى.

ويكتسب الدور العراقي أهميته من ثلاثة مستويات هي (العراق كموازن استراتيجي،العراق كممر بديل، العراق كمنصة لإعادة بناء الامن) ان قدرة العراق على لعب دور الوسيط والموازن، وعلى تطوير ممرات بديلة للطاقة، وعلى المساهمة في بناء جسور الثقة بين ضفتي الخليج، تمثل ركيزة أساسية لأي مقاربة مستقبلية للأمن الإقليمي حيث إن لحظة التحول التي يشهدها الخليج اليوم، في ظل الانتقال من “اقتصاديات الطاقة” إلى “جغرافيا الطاقة”، تفتح نافذة تاريخية أمام العراق لإعادة تعريف دوره الإقليمي. فإما أن يبقى ضمن معادلة الاستنزاف، أو يتحول إلى ركيزة في بناء نظام إقليمي جديد قائم على التوازن والتكامل.

وهذه ليست فرصة جيوسياسية فحسب، بل اختبار لقدرة الدولة العراقية على إعادة إنتاج ذاتها كفاعل استراتيجي مستقل.

إن الخلاصة التي نود التأكيد عليها هي:

1-ىأن الاستقرار الحقيقي في الخليج لن يتحقق إلا من خلال صياغة مشروع إقليمي جديد، يأخذ في الحسبان الدول الثماني المطلة عليه، ويؤسس لشراكة قائمة على المصالح المشتركة بالدرجة الأولى.

2-أن أمن الخليج لا يُبنى من خارجه، بل من داخله، عبر رؤية جماعية جديدة تتجاوز صراعات الماضي وتؤسس لمستقبل أكثر استقرارًا و يوفر فرصة للعراق لتمكينه ان يلعب دورا ايجابيا في اعادة الاستقرار.

3-يمثّل العراق ركيزة محورية في إعادة تشكيل أمن الخليج، بما يمتلكه من موقع جغرافي فريد وقدرة على الربط والتوازن بين ضفتيه، فضلًا عن إمكاناته في أن يكون ممرًا بديلًا للطاقة ومنصة للحوار الإقليمي. ويظل تفعيل هذا الدور مرهونًا بترسيخ الاستقرار الداخلي وبناء قرار وطني مستقل يحوّل موقعه من ساحة تنافس إلى مركز تأثير.

وزير وبرلماني سابق

 


مشاهدات 75
الكاتب إبراهيم بحر العلوم
أضيف 2026/03/29 - 3:44 PM
آخر تحديث 2026/03/30 - 12:37 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 27 الشهر 24277 الكلي 15216345
الوقت الآن
الإثنين 2026/3/30 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير