خالد الحربان.. حين كان الأثير يضحك في عالم الكرة
النجف- نجم عبد كريدي
في ليالي رمضان القديمة، حين كانت المباريات تُتابَع عبر المذياع أو شاشة تلفزيونٍ صغيرة يتجمع حولها الأصدقاء والجيران، كان للصوت سحره الخاص. لم تكن الكرة وحدها هي التي تتحرك في الملعب، بل الكلمات أيضاً… كلمات عفوية تخرج من القلب، فتصل إلى قلوب الملايين. ومن بين تلك الأصوات التي سكنت ذاكرة الجمهور العراقي والخليجي ، يبرز صوت المعلق الكويتي خالد الحربان الذي صنع لنفسه مدرسة مختلفة في التعليق، امتزج فيها الوصف الرياضي بالطرافة والعفوية المحببة.
يجلس بين الناس
كان الحربان يعلّق وكأنه يجلس بين الناس في مقهى شعبي، لا يتكلّف ولا يتصنّع. يترك للمباراة أن تقوده، وللحظة أن تُخرج منه العبارة التي لم تخطر ببال أحد لذلك أحبّه الجمهور، ليس فقط لأنه يصف المباراة، بل لأنه يخلق أجواءها ويمنحها روحاً إنسانية دافئة.
ومن أشهر عباراته الطريفة التي ما زال الجمهور يرددها إلى اليوم، حين أخطأ مرة عبر اى مذياع وهو يصف مشهداً احتفالياً لمباراة طرفها الكويت برعاية اميرية فقال
العلم گاعد والأمير يرفرف!
ثم انتبه سريعاً فضحك وصحّح العبارة، فكانت لحظة عفوية أضحكت المستمعين قبل المشاهدين.
وفي إحدى المباريات حين توقفت الكرة في منتصف الملعب قال عبارته الشهيرة
الكرة بنص الملاعب… لا لها صديج وصاحب.
ومرة أخرى وهو يصف تمريرات لاعبي منتخب شباب العراقي عام 1976قال الكرة إلى إبراهيم علي… ومن ثم إلى جمال علي… ومن ثم شاكر علي… والثلاثة مو إخوان!
ليضيف لمسة خفيفة إلى وصف بسيط في الملعب.
أما تعليقاته الطريفة التي تعكس عفويته، فقوله ذات مرة:
الشباب حلوين… والجو حلو… والحشيش أخضر… والحكم هندي!
عبارة خرجت بطرافة تلقائية جعلت المستمعين يبتسمون حتى اليوم.، وكذلك عبارته.. هالكرة ياناس حلوة مدورة... تصطدم جدام وترد ليوره!!
ومن أجمل لحظاته تلك التي ارتبطت بنجوم الكرة العراقية. ففي بطولة العالم العسكري عام 1979 بالكويت، سجّل النجم الكبير فلاح حسن هدفاً خرافياً على منتخب النمسا العسكري، قفز فيه بطريقة مدهشة وتكور والتف جسده في الهواء.. صمت الحربان لثوانٍ مذهولاً، ثم قال عــــبارته الشهيرة
« خلاص... خلاص.. فلاح… مافي سنسول! فلاح مافي سنسول!»
ويقصد أن اللاعب سجل الهدف بطريقة بدت وكأن جسده بلا عمود فقري من شدة مرونته!! .
هدف جميل
وفي مناسبة أخرى حين سجل اللاعب العراقي كاظم وعل هدفاً جميلاً برأسه، قال الحربان بحماس:
«هذا كاظم بطل… ويس كاظم وعل!»
كما لم ينس الجمهور تعليقه على هدف المهاجم العراقي علي كاظم عندما أطلق تسديدة بعيدة بقدمه اليسرى دخلت المرمى، فقال:
هذا علي كاظم… أبو رِيل المسمومة!
ويقصد بها القدم القوية والمميزة التي لا ترحم الحراس.
كرة اليد
والطريف أن خالد الحربان في الأصل متخصص في لعبة كرة اليد، بل شغل فيها مناصب مهمة، لكنه دخل عالم التعليق الكروي فأصبح واحداً من الأصوات التي ارتبطت بذاكرة الكرة الخليجية منذ سبعينيات القرن الماضي، خصوصاً مع مباريات منتخب الكويت والمنتخبات العربية وفي مقدمتها منتخب العراق.
في تلك السنوات، لم يكن التعليق مجرد وصف للمباراة، بل كان حكاية تُروى عبر الأثير. وكان صوت الحربان جزءاً من تلك الحكايات التي صنعت ذاكرة جيلٍ كامل. جيلٌ كان ينتظر المباراة كما ينتظر تعليق الحربان نفسه، لأن كلماته قد تحمل وصفاً دقيقاً، أو عبارة طريفة، أو قفشة عفوية تبقى عالقة في الذاكرة.
واليوم، حين نتذكر تلك التعليقات في ليالي رمضان، نشعر وكأننا نستعيد زمناً جميلاً… زمناً كانت فيه الكرة أبسط، لكن ذكرياتها أعمق. وزمناً كان فيه صوت مثل صوت خالد الحربان قادراً على أن يجعل المباراة حدثاً ممتعاً حتى لمن لم يرَها، بل اكتفى بسماعها عبر الأثير.
رحم الله تلك الأيام… ورحم الله الأصوات التي جعلت للكرة طعماً مختلفاً في ذاكرة الجماهير، والصحة والعافية للمعلق خالد يوسف الحربان.