الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
ذاكرة لا ترحل في وداع عكاب سالم الطاهر

بواسطة azzaman

السارد الذي كتب عمره بالحبر واللغة

ذاكرة لا ترحل في وداع عكاب سالم الطاهر

ياس خضير البياتي

 

كان مقررا أن تخرج هذه المقالة بعد أسبوعين ضمن مشروع مبدعون في الذاكرة رقم38، إلا أنه توفي اليوم، وكان يلحّ عليّ بالاستعجال لظهور المقالة، وكأنّه كان يودّ أن يودّعنا بالكلمة قبل أن يودّع الدنيا. فسلامٌ عليه في رحيله، وسلامٌ على إرثه الذي سيظلّ شاهدًا على أن الكلمة أطول عمرًا من الإنسان.

رحل عكاب سالم الطاهر، لكن صوته لم يرحل. بقيت كلماته أجراسًا في الذاكرة، تُذكّرنا أن الإعلام رسالة لا تنطفئ، وأن المبدع الحقّ يظلّ حيًّا في نصوصه، في كتبه، وفي قلوب من عرفوه.

خزان ذاكرة

في كل مدينة عراقية ثمة رجل يشبه خزّان الذاكرة، لكن عكاب سالم الطاهر لم يكن مجرد شاهد على زمن مضى؛ إنه السارد الذي حمل تفاصيله على كتفيه ومشى بها حتى صارت جزءاً من الوعي الثقافي العراقي.

ولد يوم 1 تموز 1942 في قرية أبو جميل على حافة هور الحمار، في بيئة ريفية غارقة بالخضرة والماء، حيث تمتد غابات القصب والبردي وتتناثر حقول الرز، وترعرع في بيت كان صوت الأذان فيه أول موسيقى سمعها، وحرارة المجالس العاشورائية أول مدرسة تزرع في روحه معنى العدالة.  من تلك البيئة المتخمة بالبساطة والصدق، خرج الصبي الذي سيكبر لاحقاً ليصبح واحداً من أبرز كتّاب الذاكرة والتوثيق في الإعلام العراقي. رحلة الطفولة لم تخلُ من الألم. ففي عام 1955، وبينما كان والده يعد القهوة في المضيف، فاجأته نوبة قلبية أنهت حياته.

كانت لحظة مفصلية في عمر الصبي الذي وجد نفسه فجأة يتيماً، يتنقل بين بيت أخيه وبيت خاله، ويتعلّم كيف يكون صلباً رغم هشاشة العمر.

ومع ذلك، ظل قريباً من الأرض التي تربى عليها، شارك في زراعة الشلب، وحمل من العمل الريفي قوة الشخصية وصلابة الإرادة.

 وفي المدرسة الابتدائية، شغله حب القراءة أكثر من أي شيء آخر، وعُيّن معاوناً لأمين مكتبة المدرسة، وهناك قرأ أول كتبه الفلسفية والتاريخية، ومنها فلسفة التربية لمحمد فاضل الجمالي، ومجموعة واسعة من كتب الأدب.

لم تكن رحلته مجرد انتقال من الريف إلى المدينة، بل كانت سلسلة تحولات صنعتها التجربة والمعاناة والقراءة والوعي المبكر.

فقد عرف اليُتم صغيراً، وتعلّم الاعتماد على النفس، وتفتحت عيناه في مكتبات المدارس الريفية التي كانت نافذته الأولى على الفلسفة والأدب والتاريخ.

هناك، بين رفوف الكتب ودفاتر الشعر المدرسي، وُلِدَت موهبته الأولى، وتكوّنت شخصيته التي مزجت بين صرامة الريف ونعومة الحرف المكتوب.

 ومع أن الشعر كان بوابة الدخول إلى عالم الأدب، إلا أن النقد القاسي الذي تلقّاه في بداياته أعاد تشكيل مساره، فاختار النثر والبحث والتوثيق، وسار في طريق الصحافة المهنية التي جعلته جزءاً من المشهد الإعلامي العراقي لعقود.

في حياته الإعلامية تولّى مسؤوليات جسام، فكان مديرًا عامًا لدار الثورة للصحافة والنشر عام 1975، ثم مديرًا عامًا للدار الوطنية للنشر والتوزيع والإعلان عام 1979، قبل أن يتولى رئاسة تحرير مجلة ألف باء عام 1981، وهي المجلة التي شكّلت علامة فارقة في الصحافة العراقية، إذ جعل منها نافذةً على العالم، يطلّ منها القارئ العراقي على آفاق الفكر والثقافة. كما كان عضواً فاعلاً في نقابة الصحفيين العراقيين، اتحاد الكتاب والأدباء العراقيين، واتحاد الصحفيين العرب، مما جعله جزءاً من النسيج الإعلامي والثقافي العربي.

أصدر أربعة عشر كتاباً تنوعت بين السرد الأدبي، التوثيق الصحفي، والحوار الثقافي، أبرزها شواطئ الذاكرة (2019)، حوار الحضارات (2017)، وأجراس الذاكرة (2021).

لقد كان في مؤلفاته أشبه بمن يكتب على صفحة الماء، يترك أثراً لا يُمحى رغم جريان الزمن. كتبه ليست مجرد أوراق مطبوعة، بل هي ذاكرة حيّة تتنفس بين السطور، تحمل عبق الطفولة في الهور، وصلابة التجربة في بغداد، وعمق الرؤية في الصحافة العراقية.

كتبتُ عنه مرتين من قبل، وكانت المقالتان مخصّصتين للحديث عن كتبه التي شكّلت جزءاً من ذاكرة الصحافة العراقية. يومها كان  مسروراً للغاية، يقرأ ما كُتب عنه بعينين تلمعان بالرضا، وكأنه يرى في الكلمات اعترافاً بجهده الطويل في التوثيق والكتابة.

كان يقول إن الكتاب هو الابن الذي لا يكبر ولا يشيخ، وإن كل سطر يكتبه هو محاولة لإنقاذ لحظة من النسيان.

ذلك الفرح الذي أبداه حين قرأ المقالتين لم يكن فرحاً شخصياً فقط، بل كان فرح المبدع الذي يشعر أن رسالته وصلت، وأن الكلمة التي عاش من أجلها وجدت من يحتفي بها ويعيدها إلى الضوء.

أما أسلوبه الإعلامي فقد كان مرآةً لشخصيته: دقيق كالمهندس، عميق كالفيلسوف، وشفاف كالأديب الذي يرى في الكلمة وطناً وفي الذاكرة مسؤولية. كان يمزج بين الحكاية الشخصية والحدث العام، ليجعل النص الصحفي أقرب إلى شهادة تاريخية.

لغة رصينة

استخدم لغة أدبية رصينة، لكنها واضحة وبعيدة عن الغموض، مما جعل كتاباته تصل بسهولة إلى القارئ العام والمتخصص. اعتبر أن الإعلام ليس مجرد نقل خبر، بل حفظ ذاكرة الأمة، لذلك جاءت مؤلفاته أقرب إلى أرشيف حيّ للتجربة العراقية.

 ولم يكن يكتب عن الأحداث فقط، بل عن البشر الذين صنعوها أو عاشوها، مما أضفى على نصوصه دفئاً إنسانياً.

واليوم، حين نقرأ نصوصه، نشعر أن الزمن يذوب بين السطور، وأن صوت عكاب سالم الطاهر ما زال يهمس في آذاننا، يذكّرنا أن الإعلامي الحقّ لا يموت، بل يظل حيًّا في ذاكرة الناس، وفي كل كلمة كتبها بصدق وإيمان.

رحل الجسد، لكن بقيت الروح في نصوصه، وبقيت الكلمة شاهدةً على أن المبدع لا يغيب، بل يتحوّل إلى ذاكرةٍ أبدية، تُقرع أجراسها كلما فتحنا كتابًا من كتبه أو استعدنا مقالةً من مقالاته.

هكذا يظل عكاب سالم الطاهر حيًّا بيننا، في مشروع مبدعون في الذاكرة، وفي ذاكرة كل قارئ، وفي كل قلبٍ آمن أن الكلمة أطول عمرًا من الإنسان.


مشاهدات 57
الكاتب ياس خضير البياتي
أضيف 2026/03/17 - 3:49 PM
آخر تحديث 2026/03/18 - 1:28 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 106 الشهر 15025 الكلي 15007094
الوقت الآن
الأربعاء 2026/3/18 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير