الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
السمعة .. الحارس الحقيقي للمنصب

بواسطة azzaman

السمعة .. الحارس الحقيقي للمنصب

حازم محمود حميد النعيمي

 

ليست السمعة مفهوما أخلاقيا تجريديا كما قد يتصور البعض بل هي رأس المال الحقيقي لأي إنسان في الحياة العامة. فالمنصب قد يُمنح بقرار والمال قد يُكتسب بصفقة لكن السمعة لا تُبنى إلا عبر سنوات طويلة من السلوك المتزن والقرارات الحكيمة في التعامل مع الاخرين. ان السمعة هي في الحقيقة العمر الثاني للإنسان، فالعمر البيولوجي محدود أما العمر الحقيقي فيستمر بعد الرحيل. وقد عبّر الشاعر عن هذه الحقيقة بدقة حين قال (قد مات قومٌ وما ماتت شمائلهم وعاش قوم وهم في الناس أمواتُ). فبعض الناس يرحلون لكن سيرتهم تبقى حاضرة في ذاكرة المجتمع بينما يعيش آخرون بين الناس دون أثر حقيقي لأنهم لم يتركوا وراءهم سوى سلطة مؤقتة أو مصالح عابرة.

لقد اكد التاريخ هذه الحقيقة بوضوح، ففي واحدة من أشهر الأزمات السياسية في الولايات المتحدة، اهتزت صورة الرئيس الامريكي بيل كلينتون اثناء ولايته بسبب علاقته مع المتدربة في البيت الأبيض مونيكا لوينسكي. لم تكن القضية قرارا اقتصاديا خاطئا ولا سياسة خارجية فاشلة، بل علاقة شخصية تحولت إلى فضيحة سياسية عالمية. لقد تعرضت سمعته السياسية لضرر عميق وأصبحت تلك القضية جزءا ثابتا من تقييم إرثه السياسي وكذلك العائلي. ولقد سمعنا مؤخرا ان شخصيات سياسية عراقية خسرت مناصبها ومجتمعها بسبب نزوات سريعة او طمع مادي سهل. وهذا ما يؤكده الكاتب الأمريكي روبرت غرين في كتابه الشهير «كيف تمسك بزمام القوة» حين يضع السمعة في صلب معادلة النفوذ، ويؤكد أن السلطة الحقيقية لا تقوم على القوة وحدها بل على الصورة التي يراها الناس في صاحبها. فالقائد الذي تهتز صورته الأخلاقية يفقد تدريجيا تأثيره حتى لو بقي في منصبه لأن النفوذ في النهاية يقوم على الثقة، وان الثقة لا تُفرض بالقانون بل تُبنى بالسمعة.

ولعل واحدة من أكبر الأمثلة الحديثة على خطورة السمعة ما ظهر في ملفات جيفري إبستين. فالقضية لم تسقط شخصا واحدا فقط بل ألقت بظلالها على عشرات الأسماء حول العالم. وجد سياسيون ورجال أعمال ومشاهير أنفسهم فجأة تحت مجهر الرأي العام لمجرد ظهور أسمائهم في سجلات الرحلات أو الصور أو العلاقات غير الشرعية المرتبطة به. ان كثيرا من هؤلاء لم تُثبت عليهم إدانات قانونية لكن مجرد الارتباط بالاسم المثير للجدل كان كافيا لتشويه صورتهم العامة وإثارة الشكوك حولهم. ومن اشهر الضحايا في هذا الموضوع هو الأمير أندرو، دوق يورك، نجل الملكة إليزابيث الثانية الذي تضررت سمعته بشدة بعد ارتباط اسمه بهذه الملفات. ونتيجة ذلك تم تجريده من ألقابه العسكرية وامتيازاته الملكية الرسمية ليتحول من أحد أفراد العائلة المالكة النافذين إلى شخصية معزولة عن الحياة العامة. هذه الواقعة كشفت حقيقة مهمة وهي ان السمعة لا تتعلق فقط بما يفعله الإنسان بل أيضاً بمن يختار أن يجالسهم أو يرتبط بهم. فالقانون يبحث عن الأدلة أما المجتمع فيحكم بالثقة والانطباع. وفي عصر الإعلام الرقمي قد تتحول صورة قديمة أو علاقة اجتماعية عابرة إلى قضية عالمية تعيد كتابة سيرة كاملة. ولهذا قال الكاتب المسرحي وليام شكسبير عبارته الشهيرة «من يسرق مالي يسرق شيئا تافها… أما من يسرق سمعتي فيسلبني ما يجعلني فقيرا حقا». فالمال والمنصب يمكن تعويضهما أما السمعة فإذا تضررت يصبح إصلاحها مهمة صعبة جدا قد تستغرق سنوات طويلة، إن أمكن إصلاحها أصلا.

واثناء دراستي في جامعة بنسلفانيا عام 2011 انفجرت واحدة من أكبر الفضائح في تاريخ الرياضة الجامعية الأمريكية عندما وُجّهت اتهامات إلى المدرب المساعد لفريق كرة القدم في الجامعة جيري ساندوسكي بالاعتداء الجنسي على عدد من القاصرات على مدى سنوات طويلة. وبعد التحقيقات والمحاكمة أدانته المحكمة وحُكم عليه بالسجن لمدة 30 عاما.  لكن تأثير القضية لم يقتصر على شخص المدرب المساعد فقط، بل تحولت إلى أزمة وطنية هزّت سمعة الجامعة كلها. فقد كشفت التحقيقات أن بعض مسؤولي الجامعة كانوا على علم بوجود شكاوى منذ سنوات ولم يتم الإبلاغ عنها بالشكل المناسب، وهو ما أدى إلى استقالة رئيس الجامعة وإقالة المدرب الأسطوري للفريق جو باتيرنو رغم أنه كان من أكثر المدربين نجاحا في تاريخ كرة القدم الجامعية.  كما فرض الاتحاد الرياضي للجامعات الأمريكية عقوبات قاسية على البرنامج الرياضي للجامعة، شملت غرامة قدرها 60 مليون دولار إضافة إلى عقوبات رياضية أخرى في محاولة لإعادة بناء الثقة بعد انهيار سمعة المؤسسة.  هذه القضية أصبحت مثالا يُدرَّس في الجامعات حول العالم عن قوة السمعة وخطورة فقدانها. فمدرب كان يتمتع بسمعة رياضية كبيرة ومكانة اجتماعية واسعة انتهى به الأمر في السجن، كما فقدت جامعة عريقة جزءا كبيرا من مكانتها بسبب تصرفات فرد واحد والتقصير في التعامل معها.

وبأختصار، علينا ان ندرك تماما ان المناصب السياسية والاجتماعية والاقتصادية بطبيعتها مؤقتة أما السمعة فهي البعد الدائم في حياة الإنسان. فالناس قد تنسى تفاصيل السياسات والقرارات لكنها لا تنسى الانطباع الأخلاقي عن صاحبها. ولهذا فإن التاريخ لا يكتب عادة عدد السنوات التي قضاها الشخص في المنصب بل يكتب كيف خرج منها. يبقى الدرس بسيطا رغم قسوته انه يمكن للإنسان أن يخسر المال فيعوضه وأن يخسر الوظيفة فيجد غيرها لكن إذا خسر اسمه فقد خسر مستقبله. فالسمعة ليست مجرد رأي عابر لدى الناس بل هي الثروة المعنوية التي تقوم عليها الثقة والاحترام والمكانة.

 

مدير عام دائرة البحوث والدراسات/رئاسة الجمهورية


مشاهدات 55
الكاتب حازم محمود حميد النعيمي
أضيف 2026/03/14 - 1:14 AM
آخر تحديث 2026/03/14 - 5:25 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 240 الشهر 11581 الكلي 15003650
الوقت الآن
السبت 2026/3/14 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير