التّرجمةُ: دعاءُ بنِي البشرِ لتسكينِ غضبِ السّماءِ
ياسر أحمد إبراهيم
بابل: أسُّ الإبداع ومهدُ البلبلة وغضَبُ السّماء
ازدهرت جوانب حياة بني البشر، ولمعت بوارقُ التّطور والحضارة واعشوشبت أرض بابل بشتى ألوان الزّهوّ والتّباهي، وتصاعدَ بخارُ الأنفة وتغوّلتْ جُنُباتُ الأنا فوضع إنسانُها لَبِنَاتِ برجٍ شامخِ واشرأبت روحُه تطلُّعاً للمزيد من الارتقاء إلى أن تماهت نشوة بحران العظَمة والبنيان. فأرسى إلهامُ ذاته الجيّاشة خُيلاءَ دعائم ذلك البرج السامق؛ وتجمهرت الآراء آنذاك أن تبلُغ هامَةُ البرج ذروةَ الارتفاع وتمخرَ عُبابَ الفضاءِ وتُطاوِلَ أعنانَ السّماء. وسرعان ما استدرك الإلهُ أنَفَةَ إنسان بابل، الذي تحدّث لغةً واحدةً شاعَ زهوُّها الأرجاءَ. خشِيَ الرّبُ آنئذٍ تفاقم جشع إنسان بابل بالزّهوّ والسّيطرة والتّمادي، فصبّ جامَ غضبِه وأرسل لعنة السّماء، ونصَّ القرارُ الإلهيُّ على تشتيت وحدة لغة أُناس بابل وتفكيك أواصر بنيانهم اللغويّ وطأطأة هامَة برجهم الألفبائيّ رمز قوّتهم وعنوانَ تألُقهم ولألاء أوجَ حضارتهم. آلَتْ لعنةُ السّماء وتشتّت وحدتهم إلى جعل أبناء بابل يتحدّثون لغات عديدة ممّا أضعف شوكة تواصلِهم وتباطأت جحافل انصهارهم اللغويّ، واحتيجَ إلى وسيلة يتطلّعون من خلالها إلى إحياء ارتباطهم وبثّ الأمل في نسغ التّواصل والتّفاهم والاندماج، وهنا بزغت فكرة التّرجمة: إكسير التّواصل الإنسانيّ، وجسر التّزاوج الثّقافي، وعنوان التّلاقح الحضاري بين الأمم.
التّرجمة: مبتدآها، تطوّرها، تألّقها ومسيس الحاجة إليها
ومع بزوغ شمس القِعد الأخير من القرن الثامن عشر، حوالي 1791، سطّر الباحثُ الكسندر فريزر تيتلر المبادئَ العامّةِ الأساسيّةَ لعلوم ودراسات التّرجمة والتي تمحورت في جوهرها حول التركيز على أفكار ومضامين النّص الأصليّ، وعلى الأسلوب والتنظيم وانسيابية مكوّناته، خلوصاً إلى توظيف المترجم لبنية وسليقة وسلاسة النّص الهدف، في اللغة الهدف، في ثقافة الهدف. توالت بعدها إسهامات معتَبرة لباحثين ومهتمّين في مجال الترجمة تدور حول الغوص في فنّ التّرجمة ومبادئها واستراتيجياتها ونظرياتها وتطبيقاتها وسُبُل إعادة انتاج النّص الهدف الذي قد يلقى رواجاً منقطع النّظير في ثقافة الهدف تبعاً لمَلَكات وإبداعَات ومهارَات المترجم الذي يجعل إبداعَه وذائقته وخبرته وكياسته تبلور فنّ النّقل والتّأثير والانتشار والجذب، وتجسّد بذلك رسالة الترجمة في تجسير هوّة الاختلاف والخلاف بين ثقافات شعوب المعمورة. وحقيقة الأمر، أنّ التّرجمة لم تبدأ مع تسطير تيتلر لمبادئها الرّائدة في ختام القرن الثامن عشر، بل إنّ التّرجمةَ ممارسةٌ حيّةٌ مستدامةٌ منذ أن دبّ الإنسان على وجه الأرض! فتفاعُلُه مع موجودات الأرض، وتعامُلُه مع إنسان الأرض، ومساهماتُه على جميع الأصعدة عبر الزّمن على هذه الأرض كلّها تستند إلى مفهوم التّرجمة بوصفها أساساً وثيقاً للتواصل المثمر والترجمة الحقّة للتّعامل والتّفاعل الإنسانيّ قولاً وفعلاً، فكراً وتطبيقاً. وعبر تواتر الأحقاب والمتغيّرات، فما يصدر عن الإنسان هو ترجمةٌ لسلوكه وفكره ومنظوره، وما يرِدُ له هو ترجمةٌ لسلوك الآخر وفكره ومنظوره. إذ أنّ أوجهَ الاختلاف والخلاف بين الصادر والوارد تُعدّ انعكاساً وبلورةً للتّشتت والبعثرة التي اختبرها إنسانُ بابل تبعاً لغضب الرّب وانهيار برج وثاقة الصّلة!
التّرجمة والعولمة: توأمةُ الأهمّية وولوجُ أفُق العولمة الشّاسعة
انتشر بنو البشر في شتّى أصقاع الأرض فبلغوا أطرافها وتعدّدت لغاتهم ولهجاتهم وتنوّعت عاداتهم وتشاكلت أعرافهم الثقافية والاقتصادية والعمرانية والحياتية والعلمية. ممّا اضطرّهم إلى البحث عن وسيلة تمكّنهم من جسر الهوة بين مجتمعاتهم في معاملاتهم وتواصلهم وتبادلاتهم. فلجأوا إلى أشخاصٍ وهيئات ومؤسّساتٍ تمكّنت من الإلمام باللغات والثّقافات وألوان الحياة التي جسّدها عالم التّرجمة والمترجمون المتمرّسون ممّن صقلت تجربتُهم الثّرّةُ انخراطَهم في تباين المجتمعات. لقد اكتنزوا لَبِنات تجاربهم، في التّغلب على التّباين الثّقافي بين شعوب المعمورة، في مبادئ وأسس للترجمة وانتهاج استراتيجيات وطروحات ترجميّة ترنو إلى تعبيد طرُق التّقارب وتوثيق أواصر التّفاهم بين الثقافات. ومع تطوّر أشكال الحياة المعاصرة وتطلّع الإنسان للمزيد من الثّروة والنّهضة والرّقي، دخل الإنسانُ عصرَ العولمة والعصرَ الرّقمي، وانتشرت أجهزةُ الحاسوب والمواقعُ الشّبكيّةُ والهواتفُ الجوّالةُ والأجهزةُ الرّقميّةُ الذّكيّةُ، وانطلقت برامجُ الخدمات الهائلة التي توفّرها البرمجيّاتُ الرّقميّةُ والمواقعُ الشّبكيّةُ التي تجتذب المهتّمين والباحثين والمستثمرين وأصحاب المشاريع. ممّا ييسّر التّبادل الثقافي والحضاري بين شعوب الأرض. كما ظهرَتَ أجهزة التّرجمة الذّكية التي تمّكن الإنسانَ من التَواصل مع نظرائه في الثّقافات الأخرى من خلال برامج وتقنيات التّرجمة الفوريّة الآنيّة، وإلى جميع لغات العالم وبنفس الوقت سواءً أكان ذلك مشافهةً أم كتابةً أم بالوسائط السّمعيّة-بصريّة.
آلية الترجمة، والترجمة الآلية المعاصرة
ومع التماس الناس المنتشرة في بقاع الأرض، على اختلاف ألسنتهم وأعرافهم ومصالحهم واهتماماتهم، أهميّة التّواصل وضرورة التمازج الحضاري، سعى روّاد الفكر والعلوم والمعارف إلى تثوير عالم الترجمة تأليفاً ونظرياتٍ وتطبيقاً وممارسةً وتطلّعاً للبحوث المعمّقة التي تعود بالنّفع والفائدة على واقع الإنسان والالتئام والوئام والتّغلب على مصاعب التواصل المجتمعية الناتجة عن التشتت والتّجافي اللغوي. فأتت دراسات حثيثة معمّقة تبحث في التّرجمة ونظرياتها وتطبيقاتها، مثل موسوعة الترجمة لـ منى بيكر، وغيرها وغيرها من موسوعاتٍ ومجموعاتٍ ودراساتٍ ومؤلّفات الترجمة الأدبيّة والعلميّة والثّقافيّة والآثاريّة وغيرها. كما شهدت ثنايا المكتبات العلميّة ودور النّشر ومراكز الأوساط البحثيّة والثقافيّة ألواناً من استصدارات للقواميس والمعاجم بأحجامها وموادّها وتنسيقها وإخراجها، والتي تسهم في لعِب دور خير المعين لمن يخوض عُبابَ الترجمة، ويغوص في عالم التواصل متعدد اللغات. وقد تأخذ هذه الآليات المعجميّة أشكال السّمّاعات المحدَّثة العصريّة أو النّظارات الذّكية أو أقلام قراءة اللّغات العديدة والتّرجمة الآنيّة والنّقل بين المتخاطبين على اختلاف مشاربهم.
بابل: إعادة التّشييد والتّقارب الإنسانيّ
إنّ سعي إنسان اليوم في مختلف بقاع الأرض إلى ابتكار وتطوير وتحديث آليات ووسائل تسهّل الولوج إلى ثقافات المجتمع وعوالمها الاقتصاديّة والمجتمعيّة والسياحيّة والعلميّة والاستثماريّة ...إلخ، وتمكّن الإنسان من تعزيز أواصر الانفتاح على الآخر، لهو دليل ساطع وبرهان قاطع على إذكاء روح النّيوبابليّة أو البابليّة الجديدة بوصفها ترنو إلى إعادة تشييد برج بابل وتوثّق لمزيدٍ من تقارب بني البشر وذلك يتأتّى عبر التّرجمة. ففي مستودع اللاوعيّ الإنسانيّ، يطلق إنسانُ اليوم العنان لإيجاد حلول بنّاءة فعّالة عمليّة لمختلف مشاكل الترجمة بأنواعها البنيويّة النحّويّة، والمعجميّة الدّلاليّة، والأسلوبيّة المجازيّة، والألسنيّة الصّوتيّة. حدث في ثمانينيات القرن الماضي أن ارتكب مترجم فوريّ روسيٌّ ذلّة لسان أثناء التّرجمة للوفد الأمريكيّ المفاوض لنظيره الوفد الروسيّ بشأن انتشار أسلحة الدّمار الشّامل؛ فبدل أن يقول: "تقع المسؤولية كذا والمتابعة والتكاليف على عاتق الوفد المُضِيف"، قال: "على عاتق البلد الضَّيف". طلب الوفد الأمريكيّ من المترجم الفوريّ الرّوسيّ تأكيد ترجمته، أعاد المترجم الترجمة ثانيةً، فقال: "على عاتق البلد المُضِيف". فتنبّه لخطئه، وتأكّدت المعلومة الصّحيحة افتراضاً. واستأنف الوفدان مؤتمرهما الصّحفيّ بكلّ ثقةٍ وحميميّة وبروتوكوليّة.
حتمية التّرجمة وديمومة التواصل
لذا كان لزاماً بائناً وحتماً مقضيّاً أن تلتئِمَ جراحُ التّشتّت والتّباين والاختلاف الألسني، وبالتّالي الثقافي والحضاري وألوان طيف معاملات الحياة المعاصرة، الذي فرضه انهيار برج بابل تاريخياً من خلال بثّ روح حياة التّقارب وتجسير الهوة وتزكية التّلاقح المتبادل. وهذا ما جسّدته التّرجمةُ وطوّرته وأغنَتْهُ فنّاً وبحثاً واستراتيجيةً وتطبيقاً. وقد مجّد مايكل كرونن، في كتابه الترجمة والعولمة، الدّور المحوريّ الذي تلعبه التّرجمة في ثنايا المُعطيات الكونيّة اليوم: كيف اتّسع مفهوم التّرجمة وتطبيقاتها ليطال جوانب الحياة العديدة الآثرة. فتضاريس الجغرافيا لم تعدْ عقبَةً أمام تكنولوجيا الاتصال وتطبيقات التّرجمة المعاصرة، ولم يعُد الإنتاج العالمي عاجزاً عن الولوج إلى أسواقٍ كونية لتصريف منتجاته لما وراء المحيطات تبعاً للتّسويق الإلكترونيّ ووسائل الدّعاية الرّقمية، ولم تعِد المسافات البعيدة الخيالية بين شعوب المعمورة عائقاً أمام وسائط النّقل الكوني التي تمخر عُباب الفضاء مختزلةً أوقاتاً معتَبَرة من الزّمن كيما تصل مبتغاها حتى لكأن الإنسان اليوم يتنزّه في قرية كونية ذات جغرافية مترامية الأطراف لتسع الكون بحيثيّاته. وترتكز سُبل اختزال مساحاتها الشّاسعة الفاصلة على مقوّمات الاتّصال والتّواصل الآنيّ الذي تشرفُ عليه هيئات التّرجمة المتخّصصة في إدارة شبكات الاتّصال والتّواصل الكونيّ. وهذا تجسيد لحقيقة الاعتقاد أنْ لا تواصل دون ترجمة، وهذا لا يقتصر قطعاً على التّرجمة التّحريريّة كما لا يختصر التّرجمة بنوعٍ وحيدٍ من أنواعها العديدة البشريّة منها والآليّة، والمسموعة والمقروءة والمرئيّة والفوريّة على سبيل المثال لا الحصر. نعمٌ، إنّها تجسيدٌ وتتويجٌ وتألقٌ وتسامٍ لبث روح النّيوبابليّة أو البابليّة الجديدة لدى شعوب المعمورة سعياً لإعادة تشييد برج بابل رمز التّمايز اللغويّ الواحد وبيرق التّعاضد الإنسانيّ المتجذّر وأسّ تمجيد العنفوان والقوة وشموخ التّسامي والعلوّ والأنفة كما تقمّصه برج بابل بادئ الأمر.
الوحدة وموت الترجمة، والتعددية ورواج الترجمة
ومن المثير للجدل والقبول والتّسليم بما هي علي، أو أنّها إليه، تسير الأمور. فمتى كان في الوحدة بذور الضّعف؟ ومتى كان في التّعدّد بذور القوّة؟! أم كيف للإنسان المعاصر أن يغدُوَ مالَكاً لذِمام الوحدة والقّوة وحاكِماً آمراً متصرّفاً لعناصر الضّعف والتّعدّد؟!
إذ آلّت وحدةُ الإنسان البابليّ إلى كيانٍ تسيّد فيه على عرش الزّهو والانتعاش، وانتفَت فيه نشوة التّرجمة وألق الحاجة إليها، بوصفها إكسير التّوحّد والتّجمّع والتّقارب والألفة وتجسير ثغرات التّنافر بين البشر. الأمر الذي سلّط غضب الرّب تحسّباً لتعاظم مجد وحدة الإنسان في تحدّثه لغة واحدة تسامت به إلى غياهب الأنفة. وخلُص غضب الرّب إلى تبعثر همّة إنسان بابل وتشظّي هامَة برجِه إلى أمم وأقوام تتنابذ رؤاهم وتتلاطم هِمَمُهم هائجةً عبر أمواج حدود جغرافيّة أوطانهم. اضطّرهم الأمر إلى التّمسك بأشرعة التّرجمة ليجدّفوا بها طلباً للنّجاة، وتجنّباً لتفاقم التّشرذم والتبعثر والتّشتت والتّكاثر والضّياع.
كما أنّ في التّعدّد بذور القوّة، الجامحة الهادفة إلى تبرير وإثبات عميق أهمّية السّعي نحو التّوحّد والاندماج وإظهار عنفوان وألق ومجد برج بابل المعهود، من خلال توظيف التّرجمة. يفرض تعدّد الأمم وتبعثرها الحاجة إلى التّرجمة التي ستؤول حتماً إلى ما آلت إليه سرديّة برج بابل آنئذٍ ذات الخاتمة المشؤومة. وما هو مدعاة للقنوط وغاية الاستغراب والتعجّب كيف أن الدّور الموحِّد والهادف والبنّاء الذي تلعبه التّرجمة يؤول إلى النهاية الكارثية المحبطة عند تحقيق الهدف النبيل؛ وإلى وتشييد برج بابل ثانيةً وهو إثارة غضب الرّب وتوجيه وإرسال لعنة جديدة تتمثّل في كسر شوكة برج بابل الجديد وتحطيم أسطورة القوة والوحدة التي أوجدتها التّرجمة والعودة بإنسان بابل إلى غياهب التّشتت والضّياع، وحتميّة تكرار العودة إلى رسالة الترجمة التي تمكّن بني البشر من التّمازج والتّواصل والتّفاهم والعمل المنشود لإعادة تشييد البرج من جديد. لماذا لا تفلح رسالة الترجمة البنّاءة العظيمة الهادفة إلى توحيد الشّتات والتّبعثر في إنجاز مبتغاها؟ ولماذا تعود متوالية القوّة فالتّفكك فالقوّة فالتّفكك دونما الرّسو على برّ أمان رضا الرّب والحول دون إرسال الرّب لعنةً متجددة تطيح بشموخ برج بابل بما ينطوي عليه من دلالات ومماحكات وعِبَر لمن يعتبر من بني البشر؟؟؟
وخلاصة القول،
أتى عنوان مقالنا "التّرجمةُ دعاءُ بني البشر لتسكين غضب السّماء" توضيحاً يفسّر دور التّرجمة المحوريّ في بناء التّفاهم بين بني البشر وبث روح الثّقة والتبادل الهادف الذي يقوم على التكاتف والتعاضد ورأب الصّدع بشتى أشكاله. فإذا ما استقرأنا جشع الإنسان وغروره وظلمه لأخيه الإنسان وعدم الارعواء لبثّ الخير والحبّ والاحترام المتبادل، فلن تجديَ محوريةُ دور الترجمة أيما نفعٍ، مهما وحّدت أقواماً وأمماً، ومهما علا وشمخ وارتفع برج بابل، لا بل إنّه أثار غضبَ الرّب فأتت لعنةُ السّماء، وانهارَ بنيانُ البرج المرصوص. كما أنّ الشّتات والتّعدّد يؤتي أكُلُه في سعي الإنسان الحثيث للاتصال والتواصل وترجمة الرّغبة في الاتحاد ورصّ الصّفوف. إذ تسود السّكينة والطُّمأنينة والرّضى ومدّ يد العون والغَيريّة والاحترام المتبادل خلال فترة التّبعثر والشّتات كمرحلة سابقة للاتحاد وتشييد البرج المنشود. فالرّب يكظم غيظه عندما يظهر الإنسان حبّه لأخيه الإنسان ولو لم توصله ترجمة حبّه واحترامه لأخيه إلى استكمال بناء البرج المنشود. بينما يصبّ الرّبُّ جامَ غضبِه ويهدم البرج ويشتّت الوحدة إذا طغى الإنسان وتجبّر وظلم وقهر وتجاوز الحدود وعن الحقّ نفر.
التّرجمة تساهم في إرساء دعائم البرج واستنهاض الهمم لإعادة تشييده، واستدامة شموخ البرج واستطالته وبلوغه عنان السماء مرهونٌ بانتفاء التّجبّر والأنا وانقشاع غيوم الظلم والاعتداء والبلبلة بين البشر. فلنترجم رسالة الرّب إلى برج بابل ومشيّديه: "أنا عند حسن ظنّ عبدي بيّ"؛ وكأنّ هاتفاً يهتف: "ولقد جاءكم بصائر من ربكم فمن أبصر فلنفسه ومن أساء فعليها"، "إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فعليها". فلتكن الترجمة دعاء بني البشر لإعادة تشييد برج بابل ولتسكين غضب السّماء.