الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
متى أنام؟

بواسطة azzaman

متى أنام؟

بين براءة البدايات وثقل السنين..

هدير الجبوري

 

في سنوات الصبا الأولى، تلك السنوات التي تكون فيها الروح ما تزال طريّة، والذهن يتفتح ببراءة لم يمسسها القلق بعد، بدأت علاقتي الأولى بالقراءة. لم تكن علاقة مدروسة أو مخططة، بل كانت أشبه بنداء خفي قادني إلى عالم آخر. كنت قد تجاوزت مرحلة قصص الأطفال بقليل، لكنني لم أكن قد اقتربت بعد من الكتب الكثيرة التي كانت تملأ مكتبة بيتنا. كانت تقف هناك صامتة، كأنها تنتظر لحظة ما لتفتح أبوابها.

تلك اللحظة جاءت من حيث لا أتوقع.

شدّني فضول خفي لأن أدخل مكتبة مدرستي الثانوية، لا لشيء سوى أن أستعير كتاباً أقرأه ثم أعيده إلى مكانه، كما كنا نفعل ببساطة في تلك الأيام. أيام كانت فيها مكتبات المدارس حاضرة ومفتوحة، مليئة بالكتب، ومفعمة بذلك الهدوء الصادق الذي لا يشبه ضجيج العالم خارجها. هناك، بين الرفوف، كنت أشعر أنني أدخل عالماً هادئاً يحفظ الأسرار ويصغي للقراء بصمت.

مددت يدي يومها إلى كتاب لم أكن أعرف عنه شيئاً، لكنه سيظل لاحقاً علامة فارقة في ذاكرتي القرائية. كان ذلك الكتاب هو رواية لا أنام للكاتب الكبير إحسان عبد القدوس.

لا أعرف لماذا تستهوي كتابات إحسان عبد القدوس الفتيات والنساء على نحو خاص. ربما لأنه كان يكتب بصدق نادر عن مشاعرهن، وكأنه يلتقط تلك الخيوط الخفية في النفس الأنثوية التي يصعب البوح بها. كان يكتب عن الحيرة والضعف والتمرد والخوف، وعن تلك المساحات الصامتة التي لا يراها الآخرون.

بدأت القراءة…

وكانت الرحلة أشبه ببوابة واسعة إلى الخيال. لم أكن قارئة فحسب، بل كنت أعيش داخل الرواية. شعرت كأنني واحدة من بطلاتها، أتابع الأحداث بقلبي لا بعيني فقط. كنت أقرأ وأشعر أن الكلمات تنسج حولي عالماً كاملاً، حتى غدت الرواية جزءاً من ذاكرتي، لا مجرد صفحات طويتها بعد الانتهاء.

لكن أكثر ما ظل عالقاً في ذهني يومها كان الجملة الأخيرة من الرواية:

"متى أنام… حتى أنام."

كانت جملة عابرة بالنسبة لفتاة في ذلك العمر، جملة قرأتها ومضيت. ومع ذلك شعرت يومها أن فيها عمقاً خفياً، شيئاً يتجاوز الكلمات، وإن كنت لم أفهمه تماماً.

ربما لأنني في ذلك الوقت كنت أعرف النوم جيداً.

كنت أستطيع أن أنام بسهولة، بلا قلق ولا انتظار. كان كل شيء في الحياة، مهما بدا صعباً، يمضي مع الزمن ببساطة. لم أكن قد عرفت بعد معنى الأرق، ولا معنى الخوف الذي يتسلل إلى القلب في الليل. لم أكن قد اختبرت بعد طعم الفقد، أو الوجع العميق الذي يتركه رحيل الأحبة.

كانت أقسى معاناة في تلك المرحلة ربما قصة إعجاب مراهقة لم تكتمل، مثل آلاف القصص الصغيرة التي تمر في حياة المراهقين. أما ما عدا ذلك، فكانت الأيام نفسها تتكفل بإصلاح كل شيء.

كنا حين نضع رؤوسنا على الوسادة نغرق في النوم فوراً، كأن الليل صديق حنون. لم يكن هناك ما يخيفنا، ولا مستقبل غامض يتربص بنا. كنا معاً، ولم يكن يخطر ببالنا أن أحداً قد يرحل يوماً.

لم نكن نعرف معنى أن يموت أحدنا.

كنا صغاراً إلى الحد الذي لم يسمح لنا بأن نتخيل الفقد. لم نكن قد اختبرنا بعد تلك اللحظة التي يختفي فيها شخص من حياتنا إلى الأبد.

لكن السنوات تمضي…

والحياة، كما نكتشف لاحقاً، ليست كما بدت لنا في البداية.

اليوم، بعد كل تلك السنين، أجدني أتساءل:

ما الذي جرى لكل ذلك الصفاء؟

لماذا أصبح النوم أمراً عصياً؟

لماذا صار القلب ممتلئاً بكل هذا القلق؟

لماذا يمرض من نحبهم؟

ولماذا يرحلون فجأة تاركين خلفهم فراغاً لا يُملأ؟

صرنا نترجى الزمن أحياناً، كأننا نتوسله أن يترك لنا من نحبهم قليلاً، وأن لا يختطفهم كما فعل مرات كثيرة من قبل.

قبل أيام، وأنا أعيد ترتيب مكتبتي، وقعت عيناي على كتبي القديمة ومجلاتي التي رافقت سنوات طويلة من حياتي. كان بينها ذلك الكتاب القديم… رواية لا أنام.

توقفت عندها كما يتوقف المرء عند مرآة قديمة.

فتحتها ببطء، ووجدتني أقلب الصفحات حتى وصلت إلى الصفحة الأخيرة، كأنني كنت أبحث فيها عن شيء ضاع مني منذ زمن.

ربما كنت أبحث عن تلك الفتاة التي قرأت الرواية للمرة الأولى.

عن مدرستي القديمة.

عن مكتبتها الهادئة.

عن أحلامي البسيطة.

عن خجلي القديم، وحساسيتي المفرطة، وشعوري الغامض بالعزلة.

أشياء كثيرة مرت أمامي في تلك اللحظة.

واليوم، حين أردد تلك الجملة القديمة:

"متى أنام… حتى أنام."

فإنها لم تعد تعني لي ما كانت تعنيه آنذاك.

لقد تغيّر معناها تماماً.

لم تعد جملة أدبية جميلة فحسب، بل صارت سؤالاً حقيقياً يرافق ليالي كثيرة. لأن النوم لم يعد مجرد استسلام هادئ لليل، بل صار أحياناً محاولة للهروب من أفكار لا تهدأ، ومن ذكريات لا تنطفئ، ومن قلق يتسلل إلى القلب بلا استئذان.

ربما لأننا حين كبرنا اكتشفنا أن الحياة ليست دائماً عادلة، وأن الأحلام ليست دائماً قابلة للتحقق.

نكتشف أيضاً أن الزمن، الذي ظنناه يوماً صديقاً، قد يتحول في لحظة إلى قوة قاسية تسرق منا أشياء كثيرة: أحلامنا، وطمأنينتنا، وأحياناً أشخاصاً أحببناهم بصدق.

ولهذا، حين أعود اليوم إلى تلك الجملة القديمة، أشعر أن فيها شيئاً من حكايتنا جميعاً.

حكاية ذلك الانتقال الصامت من براءة البدايات…

إلى ثقل السنين.

وحكاية زمن يمكن أن نقول عنه بصدق إنه كان قاسياً بما يكفي ليغتال كثيراً من أحلامنا….


مشاهدات 117
الكاتب هدير الجبوري
أضيف 2026/03/11 - 2:06 PM
آخر تحديث 2026/03/12 - 1:30 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 73 الشهر 9910 الكلي 15001979
الوقت الآن
الخميس 2026/3/12 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير