براءةُ السردِ
مازن الحمداني
كانَ الكاتبُ يعرفُ الإحباطَ معرفةَ من عاشَهُ طويلًا، ليسَ ذلكَ الإحباطُ الصاخبُ الذي يدفعُ إلى الصراخِ، بلَ الصامتُ، الذي يجعلُ الإنسانَ يشكُّ حتى في أفكارِهِ.
كتبَ سنواتٍ، ولم يحدثْ شيءٌ، كانتْ نصوصُهُ نظيفةً، مستقيمةً، أخلاقيّةً…
ومثلَ الحقيقةِ تمامًا: لا تُكافَأُ.
شيئًا فشيئًا، بدأَ يسألُ نفسَهُ السؤالَ الأخطرَ: هل المشكلةُ في النصِّ، أم في الصدقِ نفسِهِ؟
في إحدى لياليهِ، توقّفَ عندَ قصّةِ قابيلَ وهابيلَ.
لم يقرأها كحكايةٍ، بل كأوّلِ محاكمةٍ في التاريخِ.
حكمٌ صدرَ منذُ البدءِ، وظلَّ العالمُ يردّدُهُ دونَ أن يعيدَ النظرَ فيهِ.
تخيّلَ قابيلَ طفلًا، يعودُ من الحقلِ مُثقَلَ اليدينِ بالطينِ، ينظرُ إلى يدَي أخيهِ النظيفتينِ، ولا يفهمُ لماذا تُحبُّ السماءُ ما لا يتّسخُ.
وتخيّلَ هابيلَ وهو يتعلّمُ باكرًا، أنَّ البراءةَ مهارةٌ، وأنَّ القربانَ لا يُقاسُ بما يُقدَّمُ، بلْ بكيفيّةِ تقديمِهِ.
الأبُ كانَ صامتًا، يؤمنُ بأنَّ العدالةَ شأنٌ إلهيٌّ لا يُناقَشُ.
والأمُّ كانتْ تعرفُ، لكنَّ المعرفةَ بلا صوتٍ، لا تغيّرُ مصيرًا.
حينَ كتبَ الكاتبُ الجريمةَ، لم يغيّرْ الحدثَ فقط، غيّرَ زاويةَ النظرِ.
جعلَ الحجرَ يتردّدُ، وجعلَ اليدَ تضعفُ، وجعلَ الموتَ خطأً لا نيّةً.
وحينَ انتهى، شعرَ بشيءٍ يشبهُ الذنبَ…
لكنَّهُ ذنبٌ خفيفٌ، يمكنُ احتمالهُ مقابلَ الاعترافِ.
نُشِرَ النصُّ، هذه المرّةَ، لم يُرفَضْ.
قُرِئَ، صُفِّقَ لهُ، وُصِفَ بالجريءِ، المختلفِ، الحداثيِّ.
لم يسألْ أحدٌ عن الحقيقةِ، الجميعُ كانَ منشغلًا بجمالِ السردِ.
في الحفلِ، أمسكَ الكاتبُ القلمَ ليلقيَ كلمتَهُ، وشعرَ للمرّةِ الأولى
أنَّ يدَهُ ثابتةٌ.
وفي الصفِّ الأوّلِ، جلسَ قابيلُ وهابيلُ جنبًا إلى جنبٍ، يصفّقانِ.