هابرماس والديمقراطية التداولية.. فيلسوف جعل الحوار أساس الشرعية
محمد عبد الجبار الشبوط
برحيل الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس يفقد الفكر الإنساني واحداً من أبرز المدافعين عن العقلانية والحوار في العصر الحديث، فقد كان هابرماس من الفلاسفة القلائل الذين حاولوا إعادة تأسيس فكرة الديمقراطية على أساس فلسفي عميق يجعل الحوار العقلاني بين المواطنين المصدر الحقيقي للشرعية السياسية.
ولد هابرماس عام 1929 في ألمانيا، وعاش طفولته في ظل التجربة النازية وما خلفته من كوارث أخلاقية وسياسية في أوروبا، وقد تركت هذه التجربة أثراً عميقاً في مسيرته الفكرية، إذ جعلته يطرح سؤالاً مركزياً ظل يرافقه طوال حياته: كيف يمكن للمجتمعات الحديثة أن تبني نظاماً سياسياً يمنع عودة الاستبداد ويضمن الحرية والعدالة في الوقت نفسه؟
لقد وجد هابرماس أن الجواب لا يكمن في القوة ولا في السلطة وحدها، بل في العقل التواصلي الذي يسمح للبشر بالتفاهم عبر اللغة والحوار. ومن هنا جاءت نظريته الشهيرة في الفعل التواصلي التي ترى أن الإنسان ليس مجرد كائن يسعى لتحقيق مصالحه، بل هو أيضاً كائن قادر على بناء تفاهم عقلاني مع الآخرين من خلال النقاش الحر.وانطلاقاً من هذه الفكرة طوّر هابرماس مفهوم الديمقراطية التداولية، وهي فكرة تقوم على أن الديمقراطية لا تختزل في الانتخابات أو في تداول السلطة فقط، بل تقوم أساساً على عملية مستمرة من النقاش العام الذي يشارك فيه المواطنون بوصفهم أفراداً أحراراً ومتساوين.
ففي الديمقراطية التداولية لا تنبع شرعية القرار السياسي من مجرد تصويت الأغلبية، بل من جودة النقاش العام الذي يسبق القرار، ومن قدرة المواطنين على عرض حججهم والدفاع عنها في فضاء عام مفتوح. فالقانون، في هذا التصور، لا يكون شرعياً لأنه صدر عن سلطة قوية، بل لأنه نتاج عملية تداول عقلاني بين المواطنين.
وقد عبّر هابرماس عن هذه الفكرة من خلال مفهوم الفضاء العام، وهو المجال الذي يلتقي فيه المواطنون لمناقشة القضايا العامة بعيداً عن ضغوط السلطة والمال، بحيث يتشكل الرأي العام من خلال الحوار الحر بين أفراد المجتمع. ولهذا كان يرى أن صحة الديمقراطية تقاس بمدى حيوية هذا الفضاء العام وبمدى قدرة المجتمع على إنتاج نقاش عقلاني حول قضاياه المشتركة.
ثقافة الحوار
إن هذه الرؤية تجعل من الديمقراطية مشروعاً أخلاقياً وثقافياً قبل أن تكون مجرد نظام مؤسساتي، لأن الديمقراطية في جوهرها هي ثقافة الحوار والاعتراف المتبادل بين المواطنين.
ومن هذه الزاوية يمكن القول إن فكر هابرماس يقترب في بعض جوانبه من فكرة الدولة الحضارية الحديثة التي تقوم على أن السياسة لا يمكن أن تنفصل عن منظومة القيم التي تنظم حياة المجتمع. فالدولة الحضارية لا تقوم فقط على المؤسسات والقوانين، بل تقوم أيضاً على ثقافة عامة تقوم على العقلانية والاحترام المتبادل والمسؤولية المشتركة عن الخير العام.
ولهذا فإن الفضاء العام الذي تحدث عنه هابرماس يشبه في كثير من جوانبه المجال القيمي الذي تتشكل فيه الإرادة الحضارية للمجتمع، حيث يصبح الحوار وسيلة لإنتاج المعرفة الجماعية والقرار الجماعي في آن واحد.لكن تجربة العالم المعاصر تُظهر أيضاً حدود الرهان الفلسفي الذي وضعه هابرماس على الحوار العقلاني، فالمجتمعات الحديثة لم تعد تعاني فقط من نقص الحوار، بل تعاني أيضاً من هيمنة المال والإعلام والتضليل الرقمي، وهي عوامل يمكن أن تشوّه الفضاء العام وتضعف قدرة المجتمعات على إنتاج نقاش عقلاني حقيقي.
ومع ذلك يبقى إرث هابرماس الفكري تذكيراً مهماً بأن الديمقراطية ليست مجرد آلية لتوزيع السلطة، بل هي قبل كل شيء عملية حضارية لتنظيم الاختلاف بين البشر عبر الحوار بدل العنف.
دعوة متجددة
وفي زمن تتصاعد فيه الشعبوية والاستقطابات الحادة في كثير من أنحاء العالم، تبدو أفكار هابرماس حول الديمقراطية التداولية والفضاء العام دعوة متجددة إلى إعادة الاعتبار للعقل والحوار بوصفهما الأساس الحقيقي لأي نظام سياسي يريد أن يكون نظاماً إنسانياً وعادلاً.إن رحيل هابرماس لا يعني فقط غياب فيلسوف كبير، بل يعني أيضاً غياب صوت فلسفي ظل يذكّر العالم بأن الحضارة الإنسانية لا يمكن أن تستمر إلا إذا بقي الحوار في مركز الحياة العامة، وأن مستقبل السياسة في العالم لن يُبنى بالقوة وحدها، بل ببناء فضاء إنساني مشترك يستطيع البشر فيه أن يتفاهموا حول مصيرهم المشترك.