استكمال البناء الدستوري للسلطات في العراق بعد انتخاب رئيس الجمهورية: دراسة قانونية معززة بالأمثلة
سعد البخاتي
يُعد انتخاب رئيس الجمهورية من قبل مجلس النواب، وفق المادة (70/أولاً) من دستور جمهورية العراق لسنة 2005، نقطة الانطلاق الفعلية لاستكمال تشكيل السلطة التنفيذية، والانتقال من الشرعية الانتخابية إلى الشرعية الدستورية المكتملة. فبمجرد أداء اليمين الدستورية وفق المادة (50)، يباشر رئيس الجمهورية اختصاصاته، وفي مقدمتها تكليف مرشح الكتلة النيابية الأكثر عدداً بتشكيل مجلس الوزراء.
وتنص المادة (76/أولاً) على التزام رئيس الجمهورية بتكليف مرشح الكتلة النيابية الأكثر عدداً خلال مدة لا تتجاوز (15) يوماً من تاريخ انتخابه. ويُعد هذا الميعاد من النظام العام الدستوري، تحقيقاً لمبدأ استمرارية الدولة ومنع الفراغ التنفيذي.
مثال تطبيقي:
في أعقاب انتخابات عام 2010، ثار جدل دستوري حول مفهوم "الكتلة الأكثر عدداً"، هل هي الفائزة في الانتخابات أم المتشكلة داخل البرلمان. وقد حسمت المحكمة الاتحادية العليا هذا الإشكال بتفسيرها الذي اعتبر الكتلة الأكبر هي التي تتشكل داخل مجلس النواب، وهو ما انعكس عملياً على تكليف مرشح التحالف النيابي الأكبر آنذاك، رغم عدم حصوله على أعلى المقاعد منفرداً.
وبعد صدور التكليف، يلتزم رئيس مجلس الوزراء المكلف، وفق المادة (76/ثانياً)، بتقديم تشكيلته الوزارية والمنهاج الوزاري خلال مدة أقصاها (30) يوماً لنيل ثقة مجلس النواب بالأغلبية المطلقة لعدد أعضائه، وفق المادة (76/رابعاً).
مثال تطبيقي:
في عام 2018، تم تكليف رئيس مجلس الوزراء ضمن المدة الدستورية، إلا أن عملية استكمال الكابينة الوزارية واجهت تعثراً سياسياً، ما أدى إلى تقديم حكومة ناقصة لبعض الوزارات، وتأجيل استكمالها، وهو ما أثار نقاشاً قانونياً حول مدى كفاية نيل الثقة الجزئي، إلا أن مجلس النواب منح الثقة للأغلبية الوزارية، فاعتُبرت الحكومة مشكلة دستورياً.
وفي حال إخفاق المكلف في تشكيل الوزارة ضمن المدة المحددة، أو عدم نيله الثقة، تُلزم المادة (76/ثالثاً) رئيس الجمهورية بتكليف مرشح جديد خلال (15) يوماً، مع إعادة الإجراءات ذاتها.
مثال تطبيقي:
في عام 2020، وبعد استقالة الحكومة السابقة، تم تكليف أكثر من مرشح تباعاً لتشكيل الحكومة، إلا أن بعضهم اعتذر أو أخفق في نيل الثقة ضمن المدة الدستورية، ما دفع رئيس الجمهورية إلى إعادة التكليف لمرشحين آخرين، إلى أن تمكّن أحدهم من نيل ثقة مجلس النواب، وهو ما يعكس التطبيق العملي للمادة (76/ثالثاً).
أما على مستوى استكمال السلطات الثلاث، فإن السلطة التشريعية تكون قائمة بانعقاد مجلس النواب وممارسته لاختصاصاته وفق المادة (61)، في حين تتشكل السلطة التنفيذية من رئيس الجمهورية ومجلس الوزراء وفق المادة (66)، بينما تستقل السلطة القضائية وفق المواد (87–101)، وتضطلع المحكمة الاتحادية العليا بدور حاسم في تفسير النصوص الدستورية وحسم النزاعات.
مثال تطبيقي:
في أكثر من مناسبة، تدخلت المحكمة الاتحادية العليا لتفسير النصوص المتعلقة بالكتلة الأكبر والدد الدستورية، مما أسهم في ضبط المسار السياسي ومنع الانحراف عن الإطار الدستوري، وهو تطبيق مباشر لاختصاصها بموجب المادة (93) من الدستور.
وتخضع هذه المراحل لجملة من القواعد الدستورية، من أبرزها إلزامية المدد الدستورية، ومبدأ التوازن بين السلطات، ومبدأ التداول السلمي للسلطة، فضلاً عن قاعدة عدم جواز تعطيل النصوص الدستورية أو تجاوزها تحت أي ظرف سياسي.
خلاصة قانونية:
إن استكمال البناء الدستوري في العراق بعد انتخاب رئيس الجمهورية يتم ضمن تسلسل زمني ملزم: (15) يوماً للتكليف، و(30) يوماً للتشكيل، و(15) يوماً لإعادة التكليف عند الإخفاق، وهي مدد دستورية واجبة الاحترام. وقد أفرز التطبيق العملي لهذه النصوص إشكالات سياسية وقانونية، إلا أن القضاء الدستوري أسهم في ترسيخ قواعد التفسير الملزم، بما يعزز مبدأ سيادة الدستور وانتظام عمل السلطات.