الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
كيف تبدأ الحروب حين يغيب تعريف النصر ؟

بواسطة azzaman

غياب الاستراتيجية مقابل فائض القوة

كيف تبدأ الحروب حين يغيب تعريف النصر ؟

محمد علي الحيدري

 

ليست المشكلة في أن تمتلك دولة ما قوة عسكرية هائلة، بل في أن تظن أن هذه القوة، بذاتها، يمكن أن تحلّ محل الاستراتيجية. فالتاريخ الحديث يعلّمنا أن الحروب لا تُقاس بحجم النيران التي تُطلق، بل بوضوح الغاية السياسية التي تُطلق من أجلها. ومن هنا، تبرز المعضلة المركزية في الحرب الجارية: فائض في القوة يقابله غياب مقلق لتعريف النصر، أو حتى لتصوّر شكل النهاية.

في المنطق الاستراتيجي الكلاسيكي، تُخاض الحروب لتحقيق أهداف سياسية محددة، ويُستخدم السلاح كوسيلة لا كغاية. لكن ما نشهده اليوم يوحي بانقلاب في هذا المنطق: القوة تُستخدم أولًا، ثم يُبحث لاحقًا عن معنى استخدامها. هذا الترتيب المعكوس لا ينتج استراتيجية، بل يولّد ارتباكًا، ويحوّل الحرب من أداة سياسية إلى مسار مفتوح على الاحتمالات.

تعريف النصر ليس ترفًا نظريًا، بل هو شرط جوهري لأي قرار عسكري رشيد. هل النصر هو إسقاط نظام؟ أم ردع طويل الأمد؟ أم إعادة رسم توازنات إقليمية؟ أم مجرد إظهار قوة؟ حين تتعدد الأجوبة، أو تغيب كليًا، تصبح الحرب فعلاً تكتيكيًا بلا بوصلة، وتتحول العمليات العسكرية إلى سلسلة ضربات لا يجمعها أفق سياسي جامع.

تفوق عسكري

المفارقة أن الدول التي تمتلك أعقد منظومات التخطيط العسكري هي نفسها التي تقع أحيانًا في فخ الاعتقاد بأن التفوق التقني يعوّض نقص الرؤية السياسية. غير أن التجربة تثبت العكس: التفوق العسكري يختصر الطريق إلى ساحة المعركة، لكنه لا يختصر الطريق إلى السلام. بل قد يطيله، حين يغيب السؤال البسيط والخطير في آن: ماذا بعد؟

غياب الاستراتيجية لا يظهر فقط في غموض الأهداف، بل في تضارب الرسائل. تصريحات تتحدث عن حرب محدودة، وأخرى تلمّح إلى صراع طويل. تأكيدات بعدم السعي إلى تغيير جذري، تقابلها أفعال تُفهم باعتبارها ضربًا لأسس الدولة المقابلة.

هذا التناقض لا يُربك الخصم فحسب، بل يربك الحلفاء، ويقوّض صدقية القرار السياسي نفسه.

الأخطر من ذلك أن الحرب، حين تُدار بلا استراتيجية واضحة، تكتسب منطقها الذاتي. تصبح الاستمرارية هدفًا بحد ذاتها، ويُعاد تبرير التصعيد بحجج أمنية متجددة، فيما تتراجع السياسة إلى الخلف. عند هذه النقطة، لا تعود القيادة السياسية هي التي تتحكم بإيقاع الحرب، بل تصبح أسيرة تداعياتها.

إن فائض القوة قد يفرض وقائع ميدانية سريعة، لكنه لا يصنع استقرارًا دائمًا. الاستقرار يحتاج إلى تصور سياسي، وإلى فهم عميق لطبيعة الخصم، وبنية مجتمعه، وحدود قدرته على الاحتمال. تجاهل هذه العناصر يعني الوقوع في وهم الحسم السريع، وهو وهم تكرّر كثيرًا، وكانت كلفته دائمًا أعلى من المتوقع.

في المحصلة، ليست الإشكالية في قرار استخدام القوة، بل في استخدام القوة دون استراتيجية.

فالحرب التي لا تعرف كيف تنتهي، لا تعرف متى تبدأ فعليًا. وكلما طال أمدها، تآكلت أهدافها، وتحولت من أداة لتحقيق السياسة إلى عبء عليها. عندها، لا يعود السؤال: كيف ننتصر؟ بل: كيف نخرج، وبأي ثمن، ومن دون أن نُعيد إنتاج المأزق نفسه بصيغة أكثر تعقيدًا.


مشاهدات 24
الكاتب محمد علي الحيدري
أضيف 2026/03/04 - 1:48 PM
آخر تحديث 2026/03/05 - 2:06 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 91 الشهر 4088 الكلي 14958157
الوقت الآن
الخميس 2026/3/5 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير