هدنة على حافة الإنهيار.. هل تسبق الحرب إنتهاء المهلة ؟
دعاء يوسف
في ظل هدنة مؤقتة وُصفت منذ لحظة إعلانها بأنها “هشة”، تتزايد المؤشرات على أن احتمالات خرقها قبل انتهاء مدتها ليست مجرد سيناريو افتراضي، بل احتمال قائم تدعمه الوقائع الميدانية والتباينات السياسية العميقة بين واشنطن وطهران. الهدنة التي جاءت بعد تصعيد عسكري غير مسبوق، لم تُبنَ على تفاهمات استراتيجية بقدر ما فرضتها الضرورات الميدانية والضغوط الدولية، وهو ما يجعلها أقرب إلى توقف مؤقت لإطلاق النار وليس اتفاقاً مستقراً قابلاً للصمود.
التطورات الأخيرة في الخليج تعكس هذا الهشاش بشكل واضح، إذ عادت التوترات حول الملاحة في مضيق هرمز لتتصدر المشهد، مع خطوات إيرانية تصفها طهران بأنها رد على “استمرار الحصار”، في مقابل اتهامات أميركية لإيران بتهديد أمن الطاقة العالمي. هذا التباين في تفسير بنود الهدنة يفتح الباب أمام احتكاكات قد تتحول سريعاً إلى مواجهات مباشرة، خاصة في ظل وجود قوات عسكرية للطرفين في نطاق جغرافي ضيق وحساس.
إطلاق نار
في موازاة ذلك، تبدو المسارات الدبلوماسية غير قادرة حتى الآن على تثبيت وقف إطلاق النار. باكستان، التي دخلت على خط الوساطة كقناة اتصال غير مباشرة بين الطرفين، تحاول الحفاظ على توازن دقيق بين علاقاتها الإقليمية والدولية، إلا أن هذا الدور يواجه تحديات متزايدة. الضغوط الداخلية، والتشكيك الدولي بقدرة الوسيط على تحقيق اختراق حقيقي، فضلاً عن تعثر جولات التفاوض السابقة، كلها عوامل تقلل من فرص نجاح الوساطة في تحويل الهدنة إلى اتفاق طويل الأمد. في المقابل، تشير مواقف إسلام آباد إلى استمرار الجهود، لكن دون مؤشرات ملموسة على تقدم حقيقي.
أما على مستوى المواقف السياسية، فإن الفجوة بين واشنطن وطهران لا تزال واسعة. الولايات المتحدة تركز على قيود طويلة الأمد على البرنامج النووي الإيراني، بينما ترفض طهران هذه الطروحات وتعتبرها شروطاً تعجيزية، مؤكدة أن أي اتفاق يجب أن يتضمن رفعاً فعلياً للضغوط الاقتصادية والعسكرية. هذا التباين لا يقتصر على التفاصيل التقنية، بل يعكس اختلافاً جوهرياً في رؤية كل طرف لطبيعة الصراع وحدوده، ما يجعل أي تفاهم مؤقت عرضة للانهيار عند أول اختبار ميداني.
تحركات عسكرية
الخطاب السياسي من الجانبين يزيد من تعقيد المشهد، حيث تترافق محاولات التفاوض مع رسائل تهديد واضحة، سواء عبر التصريحات أو التحركات العسكرية. هذا التناقض بين المسار الدبلوماسي والتصعيد الميداني يضع الهدنة في حالة اختبار مستمر، ويجعلها قابلة للانهيار في أي لحظة، خصوصاً إذا ما وقع حادث محدود يتحول إلى شرارة تصعيد أوسع.
في حال خرق الهدنة قبل انتهاء مدتها، فإن التداعيات لن تبقى محصورة في إطار المواجهة المباشرة، بل ستمتد إلى مستويات إقليمية ودولية. عودة العمليات العسكرية ستعيد خلط الأوراق في أكثر من ساحة، من الخليج إلى مناطق نفوذ حلفاء الطرفين، مع احتمالات توسع دائرة الاشتباك. اقتصادياً، سيشكل أي تصعيد جديد ضغطاً فورياً على أسواق الطاقة، خصوصاً مع حساسية مضيق هرمز الذي يمثل شرياناً رئيسياً لإمدادات النفط العالمية، وهو ما سينعكس بدوره على اقتصادات دول المنطقة، ومنها العراق.
في ضوء هذه المعطيات، تبدو الهدنة الحالية وكأنها فترة انتظار مشحونة بالتوتر أكثر من كونها مرحلة استقرار، حيث تتقاطع الحسابات العسكرية مع الضغوط السياسية، وتبقى كل السيناريوهات مفتوحة على احتمالات التصعيد، في مشهد يعكس هشاشة التوازن القائم وصعوبة تحويله إلى سلام مستدام.