فم مفتوح .. فم مغلق
شاشات التلفزيون.. باكية
زيد الحلي
انتهى الثلث الأول من شهر رمضان، لكن البكاء والعويل وذرف الدموع والرعب ، لا تزال مستمرة على شاشات التلفزيون. فالبرامج والمسلسلات التي تبثها القنوات العراقية ، باستثناء عملين أو ثلاثة، اتشحت برداء الحزن، وكأن الأسرة العراقية لم تعان من حزن دفين مستقر في عمقها الإنساني، ينتظر فسحة أمل تتمثل في بسمة صادقة وراحة ذهن.
نعم، إن الحياة فيها الضاحك والباكي، فلماذا نتمسك بالجزء الباكي منها؟ ولاسيما أن ساعات رمضان تحتاج إلى نفحاتٍ إيمانية ومسرةٍ قلبية.
أعرف أن الحديث في هذا الشأن قد يبدو بلا طائل، فالأمر بات شبه مفروغ منه؛ إذ انتهى تسجيل المسلسلات، واستقرت أوقات عرضها، ولم يبق أمام المشاهد إلا أن يبحث عن قناة أخرى عربية أو أجنبية توفر له متعة مشاهدة بعيدة عن النكد والألم، ففي الواقع ما يكفي منهما!
لقد نسي الإخوة الذين أشرفوا على إنتاج هذه الأعمال حقيقةً معروفة، وهي أن البكاء والنحيب وجلد الذات أسهل على الكاتب والممثل ، من طرح عناصر الأمل وروح الحياة المتمثلة بالضحكة اليسيرة والبهجة التي تبعث الفرح في الأسرة، فالتلفزيون يُعد أسرع وسيلة لإيصال المفاهيم الإيجابية، وبث التوعية الاجتماعية السليمة بأساليب بعيدة عن الجوانب المظلمة في الحياة، والتي من أخطرها التفسخ في العلاقات الاجتماعية والأسرية، عبر حوارات القيل والقال واستنساخ الأزمات، ولعلنا نلحظ اليوم في البيت الواحد أكثر من جهاز تلفزيون، في محاولة لإرضاء رغبة كل فرد من أفراد الأسرة في متابعة برنامجه المفضل، وهذا الأمر يفضي إلى غياب أي تبادل في الحديث أو مشاركة للأفكار والرؤى، فينأى كل فرد في جزيرته الخاصة، مما يفقد أجواء الألفة والثقة شيئاً فشيئاً، ويقضي على روح الجماعة التي ينبغي أن تسود الأسرة الباحثة عن لحظات بهجة، وسمر وضحك بريء متبادل، بدل الاستغراق في الكآبة والعويل.
ولستُ منتقداً كل المسلسلات المعروضة حالياً، فبينها أعمال ذات أبعاد فكرية جميلة وحوار مقنع بلغة احترافية رصينة، لكن الإشكال يكمن في توقيت عرضها خلال شهر الرحمة والغفران، الذي يتطلب قدراً أكبر من الهدوء والألفة والابتسامة، ولمة أسرية مريحة بعد ساعات الصيام. فالتلفزيون وسيلة ثقافة وبناء مجتمع لا يمكن الاستغناء عنها، وضرورة يومية تشتد الحاجة إليها في عالم تتغير أحواله لحظة بلحظة، لذلك نتمنى أن يوكل أمر هذا الجهاز الخطير إلى مهنيين أكفاء يدركون جيداً كيف يصنعون من الليمون الحامض شرابا حلوا، وكيف يمنحون المشاهد نافذة أمل لا مرآة حزن.
وكل رمضان والجميع بخير.
Z_alhilly@yahoo.com