الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
في الليلة التي تسبق تبدّل الخرائط (حافة النار)

بواسطة azzaman

في الليلة التي تسبق تبدّل الخرائط (حافة النار)

موفق البياتي

 

في هذا العالم لم يعد الخبر مجرد خبراً .. بل انذاراً ، انذاراً بأن الخرائط تمحى بصمت قبل ان ترسم بالدم ، وان القرارات التي تتخذ خلف الابواب الثقيلة قد تغير مصير شعوب كاملة  قبل ان تستقيظ على  نشرات السادسة فجراً ، فلم  يعد ما يقال في العلن هو الاخطر ، بل ما يحضر في الظل وتحت الطاولات ، حيث تقاس الاوطان بميزان المصالح لا بميزان العدالة .

كيف يتشكل العالم الان ؟

اوربا توقع اتفاقيات كبرى وكانها تكتب وصيتها الاقتصادية الاخيرة ، والشرق الاوسط يستقبل الطائرات الشبحية كما لو انه يستعد لليلة طويلة بلا فجر ، والتصريحات السياسية لم تعد زلات لسان ، بل قنابل لفظية محسوبة التوقيت .

نقسام داخلي

والاتحاد الاوربي يمضي في اتفاقيات تجارية ضخمة رغم انقسام داخلي واضح ، والرسالة هنا ليست اقتصادية فحسب، بل لان اوربا تخشى الركود اكثر مما تخشاه من غضب مزارعيها ، فحين  تتغلب الضرورات الاستراتيجية على التوازنات الداخلية ، فأعلم ان القارة العجوز بدأت تشعر بأن العالم يضيق عليها ، وانها تعيش ساعتها ( الخامسة والعشرون ) .

وفي الشرق الاوسط، ما تحليق الطائرات المتطورة  باستعراض عسكري مهيب ، الاٌ اعلان ضمني بأن لغة الردع  تعود الى الواجهة  وعندما تتحدث طهران بلهجة التحدي ، وترد واشنطن بالفعل العسكري ، فان هذا ما يدخل المنطقة  في مرحلة (حساب الاعصاب المنهارة ) لا ( حساب البيانات الصحفية ) ،وهنا لا نكون امام احداث عبثية  بل امام مشهد واحد عنوانه اختبار الارادات قبل الانفجار الكبير .

واما التصريحات الدبلوماسية المثيرة للدجل ، فهي ليست اخطاء بروتوكولية ، بل انها انعكاس لمرحلة يتقدم فيها الخطاب الايديولوجي على الحسابات الدبلوماسية ،وهذا اخطر ما في الامر، فالحظر كل الخطر  حين  يتراجع العقل  امام الشحنة السياسية والعاطفية .

والسؤال الحقيقي الذي يطرح نفسه هنا ، من يملك الجرأة والقدرة على التراجع ولو خطوة واحة  قبل الهاوية ، وليس ان نسأل  : هل ستقع مواجهة او لا ؟ ولا ان نسأل من يستطيع كبح العاصفة التي تسبق صوتها ؟

فالعالم اليوم يشبة غرفة  مغلقة امتلأت بالغاز والجميع فيها يشم رائحته  ، والكل  يتحدث عن الخطر ، ولكن لا احد يريد ان يكون اول من يفتح النافذة ، ففي مثل هذه اللحظات تعاد صياغة الخرائط ، لا بالضرورة عبر حرب شاملة ، بل عبر صفقات ، تحالفات ، ضغوط اقتصادية ، وفرض وقائع عسكرية محدودة تغير ميزان  الردع تدريجياً .

هذا هو المشهد اليوم، عالم يعيد ترتيب قواه ، اوربا تبحث عن اسواق ، امريكا تعيد تثبيت حضورها ،قوى اقليمية تلوح بأستعمال القوة وشعوب تراقب  بلا صوت صوت .. والخطر كل الخطر ليس في الطائرات ولا في الاتفاقيات ولا في التصريحات ..الخطر الحقيقي يمكن في تراكم كل ذلك .

مفترق تاريخي

انها بحق مرحلة اختبار اعصاب عالمي ، ومن يخسر اعصابه اولاً قد يخسر كل شي ، فهذا الوقت ليس وقت الاطمئنان ، انه وقت قراءة ما بين السطور .

ولكن اين نحن وسط كل هذا الضجيج العالمي ، وماذا نحن فاعلون ؟

في العراق ، نقف عند متفرق تاريخي لا يقل حساسية  عن مفترقات  الكبار ، صحيح نحن لسنا قوة عظمى ، ولكننا في المقابل لسنا رقماً هامشياً نحن في قلب الجغرافيا التي تتحرك فوقها الطائرات ، وفي خاصرة المعادلات التي يعاد كتابتها .

الخطر على العراق لا يأتي من حرب تعلن فجأة ، بل من ان نفاجأ ونحن بلا موقف واضح ، وبلا رؤية اقتصادية صلبة ، وبلا حتى سياسة خارجية متوازنة تحمي مصالحنا لا عواطفنا ،فهل اعدنا  تموضعنا ونحن نرى  العالم كله يعيد تموضعه ، فاذا كانت اوربا تبحث عن اسواق جديدة ، فهل نعرف اين  موقع العراق من خارطة  الاستثـــــــــمار  الحــــــــــــقيقي لا الورقي ؟

 واذا كانت القوى الكبرى تعزز وجودها في المنطقة ، فهل نملك استراتيجية نحمي فيها سيادتنا قبل ان تتحول اراضينا الى ساحة قتال متبادلة ، واذا كانت لغة الردع ترتفــــــــــــع من حولنا ، فهل بنينا  اقتصاداً قادراً على الصمود امام صدمة نفطية او  اضطراب اقليمي ؟

المرحلة المقبلة لن ترحم الدول المترددة ، فأما ان نكون  دولة تعرف 

ماذا تريد او نكون ارضاً يتقاطع فوقها ما يريده الاخرون ، والتاريخ لا ينتظر المتأخرين ،والجغرافيا لا تعفوا عن الغافلين ، فالسؤال لم يعد : ماذا يفعل العالم ، بل هل نحن مستعدون لان نكون دولة في عالم يعاد تشكيله  ..ام مجرد اسم على الخريطة ؟

 


مشاهدات 52
الكاتب موفق البياتي
أضيف 2026/02/28 - 11:26 PM
آخر تحديث 2026/03/01 - 1:42 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 133 الشهر 133 الكلي 14954202
الوقت الآن
الأحد 2026/3/1 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير