من نقاء الطرشان إلى ضجيج الشاشات
أحمد جاسم الزبيدي
في المحاويل – مثل سائر مدن العراق – المقاهي كانت لا تهدأ. صراخ عن بقرة داست حقل فلان، أو نشّال هرب في باص مصلحة نقل الركاب، أو حتى جدل فلسفي عميق عن آخر أفلام “سينما الجمهورية”. كان المقهى هو البرلمان الشعبي الوحيد، لكن مع فرق بسيط: القرارات النهائية تُتخذ حسب عدد استكانات الشاي المدفوعة.
أما “صالون العجائز” في بيت جدتي جاسمية رحمها الله، فكان حكاية أخرى. غرفة الضيافة تحولت إلى قاعة برلمان مصغّر، لكن من نوعٍ لا يعرف الضرب ولا الشتائم. هناك تجلس جدتي تتغزل في وحيدها – أبي – وتعدّد مواهبه في التجارة وإدارة بيتين بلا انهيار اقتصادي. إلى جانبها جدتي عليه تحصي نخيل بستانها المسلوب، بينما زهرة الحسين تُعيد وتزيد في حكاية أخيها الذي لم يُرزق إلا بابنة واحدة.
الأصوات تعلو لأن نصفهن لا يسمعن، والنتيجة حوار طرشان بامتياز. ومع ذلك، كنا نحن الصبية ننتظر بلهفة نهاية الجلسة، لا لنفهم الخلاصة (فلا خلاصة أصلًا)، بل لنلتقط فتات الجكليت وبقايا الضيافة.
اليوم، وأنا أفتح الفضائيات في غربتي، أجد أن “حوار الطرشان” لم ينقرض، بل تطوّر! بدلاً من العجائز الطيبات، أرى سياسيين وإعلاميين يرمون الأوراق والكراسي على الهواء، كلٌّ يصرخ باسم بلدٍ ليس بلده، ومذهبٍ لم يعرفه أمس. هناك تسجيلات سرية، وتهديدات علنية، وضحك مدفوع الثمن. حتى الشاي غاب، وحلّت محله فناجين القهوة المجلوبة برعاية إعلان. رحم الله جدّاتي ومن معهن: على صممهن وضعف بصرهن، كنّ أنقى من كل شاشات “النقاء” اليوم. كنّ يودعن بعضهن بقبلات ودعوات صادقة، بينما “خبراء اليوم” يودّعون بعضهم بتهديد بالقتل أو مقطع مُسرّب. بين برلمان العجائز وبرلمان الفضائيات مسافة قرن كامل من الضجيج، لكن النتيجة واحدة: لا أحد يسمع أحدًا… الفرق أن العجائز كنّ صادقات.