الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
الكوميديا الكفرانية وجيلنا الحديث: من الشارع إلى الشاشات 


الكوميديا الكفرانية وجيلنا الحديث: من الشارع إلى الشاشات 

 محمد كريم إبراهيم 

 

هناك هوسٌ دائمٌ بين العراقيين لما يُسمّى باللغة العامية بـ«التحشيش»، والذي هو السخرية بقصد الضحك فقط، حيث إنهم يتسابقون فيما بينهم ليكونوا من الاوائل في إيجاد كلمةٍ كوميدية «قوية» لكي يقولوها لأصدقائهم. 

هذه القفشات والمصطلحات الدارجة بين الشباب والبنات ليست بجديدةٍ لهذا الجيل الحديث، فهي تطوّرت أولًا بالتقليد، وليست بالإبداع، بل بتقليد العرب للغرب في القرن العشرين عندما برزت كلمات القصد منها الكفران لغرضٍ كوميدي (ما يُسمّى باللغة الإنكليزية بـ Blasphemy comedy).  

والذي لم يتلقَّ شعبيةً واسعةً بين أبناء العراق المتمسكين بالدين كما لاقاه عند الأجانب الذين فصلوا الدين عن الدولة والحياة الاجتماعية في ذلك الحين، ولكنه انتشر بين العرب في الأزقّة والشوارع منطوقًا على لسان شباب الشوارع والمنحرفين الذين لم تُقيِّدهم الدِّين ولم يتربّوا بشكلٍ صحيح. 

هذا التقليد المقاوم بدأ شيئًا فشيئًا يتخلّل أكثر من الشارع إلى المنازل، والكلمات التي كانت عيبًا أن تُقال بين الأهل والتي كان يُتداول بعضها بين الأصدقاء تحوّلت إلى استخدامها كنوعٍ من رد فعل عند حالة العصبية بين الأب وابنه أو بين الأخ وأخيه الصغير، كلمات مثل «خرب بدينك»، «خرب بمذهبك»، أصبحت مقبولةً في كثيرٍ من العوائل العراقية في التسعينات من القرن الماضي والألفينات من القرن الحالي. 

لكنه مع ذلك لم يكن الأمر بذلك الانتشار وبهذه السهولة تُقال الكوميديا الكافرة؛ فالطفرة التي حدثت في الجيل الجديد (مواليد 2008 فما فوق) هي وصول مواقع التواصل الاجتماعي إلى العراق، حيث منحت هذه التقنية لحفنةٍ من أبناء الشوارع منصةً لكي يبثّوا طريقة كلامهم التي ترعرعوا عليها إلى عامة الناس. 

منذ ذلك الوقت وحتى بداية ظهور مكافحة «المحتوى الهابط» في عام 2023، ترعرع جيلٌ كامل فيما بين هاتين الفترتين على استخدام مصطلحات نابية وكفرانية لغرض الكوميديا «الثقيلة»، حيث نرى مراهقين — بل حتى مراهقات — لا يتجاوز أعمارهم أربعة عشر عامًا يتداولون الكفر في محادثاتهم بشكلٍ طبيعيٍّ جدًا، حتى دون ردّ فعلٍ متعصّب من قبل أقرانهم، بل لعلّ الكفران بدا يعطي لقائله شخصيةً قويةً بين الأصدقاء لتحدّيه حدود الدين. 

هذه سخريةٌ لن تكتفي بجعل صاحبها يقع في الكفران، بل وإنما هي استهزاءٌ واستنقاصٌ من الدين، والكوميديا بتعريفها هي خروج القائل عن المعتاد، وإلّا لا يُضحِكُ ما هو المألوف للمستمع، فهي فنٌّ إبداعيٌّ ولا بأس في ذلك، لكن تلاشي الحدود أو تجاوز الأصول والعادات والشعائر الدينية لا ينبغي له أن يؤدّي إلى الضحك، مثله مثل إلقاء نكتةٍ في العزاء, 

ليس في مكانه المناسب. بل يجب أن نرى تعصّبًا وإكراهًا من قبل الناس المثقفة وحتى غير المثقفة على مثل هكذا كوميديا. لكن للأسف نرى تشجيعًا بالضحك على هكذا اقوال مُقيتة وتقليد مروع لهم. 

إذًا الحلّ يكمن في أمرين، أولها تربية الأبناء على أسسٍ ومعتقداتٍ دينيةٍ رصينة، حيث لا يَقدِرُ أن يضحك على هذه الكوميديا الكفرانية حتى لو قيلت أمامه وضحك أصدقاؤه أو من في تعليقات البثّ المباشر عليها، فإنه يراها جزءًا من الضحك عليه.  

حيث لا يكفي القبض على محتوى هابط لهؤلاء «المشاهير» الذين يكفرون أمام شاشات الهاتف، فمجموعةٌ كبيرةٌ منهم، أمثال المدعو «مصطفى الحجي» أو «وضاح الغريب» أو «زينة الراوي»، يعيشون خارج العراق ولهم الحرية المطلقة في تسميم الأجيال القادمة إن لم يكونوا ناشئين على التربية الحسنة. 

أمّا ثانيًا، فهو إظهار تعصّبٍ جمعيٍّ ضد هؤلاء الكافرين «البعيدين» عن المجتمع العراقي في أرض الواقع لتحجيمهم داخل وعائهم الصغير. وهذا يحصل إمّا بإلغاء متابعتهم، أو قيام حملاتٍ بالإبلاغ عليهم، أو كتابة تعاليق توبيخية لهم كنوعٍ من العقاب لإجبارهم على عدم قول ما يُغضِبُ الشعب العراقي المحترم, وحتى حين يرى المتابع لهذه تعليقات السلبية عليهم فإنه يُفهمٌ بعقله إن هذا القول مُقيت بين ابناء جلدته. 

اما الزمرة التي تتبع مذهبهم في أرض الواقع بما يُسمّون بأصدقاء السوء، فليس هناك أحدٌ لديه طاقة لإقامة دعوى ازدراء الدين عليهم، يكفي أن يواجهه شخصٌ متعصّبٌ واحدٌ من بين الضاحكين حوله حتى يدرك هذا الفردُ أن الكفران ليس بهيّنًا ولا مقبولٌ في أرض الأنبياء. 

 


مشاهدات 78
الكاتب  محمد كريم إبراهيم 
أضيف 2026/01/25 - 3:06 PM
آخر تحديث 2026/01/26 - 4:15 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 137 الشهر 19577 الكلي 13527000
الوقت الآن
الإثنين 2026/1/26 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير