بين الحلو والمرّ
عامر محسن الغريري
لا نجافي الحقيقة إذا قلنا إن الشعب العراقي يُعاني أكثر من غيره في العالم العربي من أمراض السكر وارتفاع وانخفاض ضغط الدم. ومنشأ هذه الأمراض لا يعود فقط للإكثار من تناول الحلويات والمعجنات والدهون، بل يرتبط أيضًا بأسلوب الحياة وما فرضته الظروف القاسية التي مر بها العراق.
خلال السنوات التي سبقت عام 2003، لم نكن قادرين على مجاراة أسعار الحلويات بأنواعها، ولا حتى المشروبات المحلاة بالسكر، فكان ينطبق علينا المثل القائل: «الخشم عالي والجيب خالي».
لكن بعد عام 2003، انفتح الباب على مصراعيه، فجاءتنا المعجنات والحلويات وما لذ وطاب من المشروبات السكرية. ومن نفس الباب جاءتنا المصائب والهموم، والخوف والقلق. فقد أصبح البحث عن الأمان في المرتبة الأولى: إذا سلمت من جنود الاحتلال، لم تسلم من الطائفية، وإذا سلمت من الطائفية، لم تنج من عبوة ناسفة زرعها باحث عن الجنة.
وسط هذه الظروف، فقد العراقيون عافيتهم، وبرزت أمراض السكر وارتفاع وانخفاض الضغط بشكل متسارع. وأنا واحد من هؤلاء الذين أصابتهم أمراض السكر، ونحّل بدني أمام ضعف التزامي بنصائح الطبيب، ومخالفتي للممنوعات الغذائية. تصاعدت مستويات السكر في دمي، وكثر العطش والجوع.
صديق شاهد حالتي، فنصحني بالإكثار من الحركة، والمداومة على الرياضة، والمشي المنتظم. ولكسر روتين الحركة الخالية من الحيوية، قررت جلب قطيع من الماعز إلى بيتي. فقد عايشته خلال سنوات الحصار القاسية، وعرفت طباعه، وأنواعه، وأساليب المراوغة مع الراعي، وهجومه بشراسة على الحدائق والأشجار، حتى يتضح صدق المثل القائل: «لو صخله لو نخله».
أحيانًا يدهشني قدرته على تسلق الأشجار واقتلاع النباتات من جذورها. لقد أرهقني وأذاقني الويلات بكثرة مشاكسته وعدم هدوئه، وتخليه عن القناعة في الطعام. فكانت العصا والحجارة والصياح – حتى بحت حنجرتي – أدواتي في تاديبه، لكن هذه الحيل لم تصمد أمام عناده.
وفي صباح أحد الأيام، قررت بيع القطيع، رغم وساوسي المتكررة، وخوفي من ارتفاع السكر في دمي إلى درجات عليا، لكن لم يكن لي حيلة أمام هذا الحيوان الذي جرد من الأخلاق والحياء، ليفعل ما يشاء كما يفعل بعض الناس في بلدنا.