الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
الخروج من التابوت

بواسطة azzaman

الخروج من التابوت

عباس الجبوري

 

ملاحظة: الاسم من قصة للراحل مصطفى محمود

        

١-الان..

 هناك من يريداخراج هذا المتلفلف بثيابه من التابوت ..

بعد ان تم وضعه فيه.. لأسباب ربما لاتتعلق بالموت والحياة أو ترتبط بخدعة (المومياء الفقيرة) ..التي لم يدفن معها ذهب ولا أحجار كريمة.. لانها وفق تقاليد ذويها لايمكنهم ترك اي شي معها غير كلمات .. تشبه الاساطير على كفنها الطويل ..

التجريد من كل شي..

قبل الدفن ..

زيادة في الوعظ البليغ..

 

٢- من المسؤول عن وضع هذه المومياء..

في تابوت الانتظار..

أو خشبة النقل..

وهي لم تنقطع أنفاسها بعد..

أيها المشيعون المتجمعون حول التابوت ألم تشاهدوا (من ملأ التابوت بهذه المومياء) التي لاتشبه الا حالها.. وبملامح كثيرة الاخاديد والحفريات..

وسنكرر السؤال لا لكي نحرجكم بالاجابة ..ولكن نريد الحقيقة.. ومن أول قطرة حبر.. ومن قبل ان ( تضعوا الحروف على النقاط) ..المتزحلقة من أول الخلق البديع..

 

٣-لن يجب أحد على سؤال الجمهرة الواقفة حول التابوت.. عن مسؤولية.. وعائدية ..

ونتيجة هذا المشهد التابوتي.. الذي لايخلو من الموعظة.. والموغل بالغيب .. وربما المغادر في الغموض حد التلاشي.. الذي يختلط أو يذوب في محيطه الذي يلتف كالسوار حوله..

وربما سيستمر هذا الصمت حتى لو صاح الديك ..

في ألف صباح وصباح..

 

٤-كان مقترح أحد بائعي الأقمشة.. ان يتم فتح او تمزيق (الكفن) للتأكد من الحياةأو الموت.. ولو بدون تشريح لانه يعتبر التشريح شبهة تقترب من التمثيل حسب رؤية شيخ قديم .. لم يمتهن السياسة..

من قبل الطوفان..الى ليل التابوت المريب..

همس أحد الواقفين على رصيف السوق.. غامزا ببائع القماش..( انه يريد ان يبيع كفناً جديداً) لهذا (الفقيد )العزيز.. وربما في كلامه (فص ) من شذرات الصدق القديمة..

 

٥- صرخ أحد الدفانين.. لم يمر علينا تابوتاً مثل هذا من قبل.. وعليه لابد ان نتأكد منه.. بصرخة في اذنه اليمنى .. اليمنى .. لان اليسرى سمعها ثقيل كما روى ذلك قريب له..

نصرخ في الاذن اليمنى .. ونرى سيجيب ندائنا..

ولو بإشارة.. أم يستغرق في نومه ..

الجديد والطويل..

صرخة بعد صرخة..

ولم يرجع الصدى للمتربصين به.. والحريصين على سماع دبيب النمل..

خشية (الجحافل ) القادمة من وادي الذئاب الى وادي النمل..

عابرين الوادي المقدس (طوى)..

لاجواب.. ولا اشارة..ولا همساً..

لماذا.. لانملة ..

ولا جندي..

ولاملك يجيب..

ولا أنت ايها التابوت (المختلف عن) و (المختلف عليه) والذي يشبه (توابيت الاغنياء)..

الذي تحمله (أكتاف ) الفقراء والاغبياء في نهايات السوق ..

عن طيبةٍ (مجهولة المالك)..

 

٦- وحدها أرصفة الشوارع ..

تمنت أن يسألها المشيعون لتجيب..

وشجعتها على الاجابة ظهور الحمالين المتقوسة من الحمل والحمولة .. والشوارع الخشنة

 .. والتي تخدش الاقدام الحافية ..

 التي تصر على السير عليها برغبات شديدة.. وقلق الوصول على وقت المنتظرين..

وحدها..

ولكن لااحد يرغب بسماع أزيز الامعاء الخاوية..التي تتشابك ببعضها في محطات انتظار العودة للصحون..

 

٧-شيوخ القرية ..التي يأمل بهم شباب الديرة الخبرة والبركة والزهد..

تواعدوا على حسم (قرار التابوت).. ولكن انشغلوا وربما منعتهم (الرزية) ..

وجلل المصيبة ..

من الجرأة على كشف وجه النائم في التابوت..

وربما يريدون ان ينصرف المتجمهرون الى بيوتهم لكي لايتفاجؤا من (سر التابوت) الكامن بين أصابع المتمدد فيه.. وأنامل الراغبين في تقليب ثيابه ..(وعن سبب وفاته)..

(الحياء يأكل الهمم .. عندما تصدق النوايا)..

هكذا قال لهم جدهم وهم يستمعون له في سفينة (الحلم ) التي صنعها نوح على يابسة ضاحكة من عمله .. وساخرة من المارين عليه وهم يقهقهون..

 

 

٨-هذا التابوت المسجى

على قارعة الليل.. ستحرقه الشمس عما قريب.. وتتبعثر رائحته على أنوف المارين الى أرزاقهم..

وهذه العصافير التي تتجمع قبل ان تنشد للصباح ..

ستنقل مشاهدكم الجنائزية الى عوالم النمل والنحل والرطب والجوز والموز ..

ربما لطلب النجدة..

أو المشاركة في التشييع لمومياء المجد العظيم .. كما كتب عنها المحبون ..

لنظارات عيونها الغالية.. التي تعبت من التحديق.. والتنقيب عن حروف الفعل الماضي السحيق..

 

٩-في احدى الكتب القديمة وردت عبارة سخية في الرحمة..

( إكرام الميت دفنه)..

فلماذا التهاون في دفن هذه المومياء.. أو النفخ في روحها من جديد.. لتستريح على أريكة الراحة الأثيرة.. ولتستقبله بقايا عيون من شرفات قديمة .. بفرح تاريخي ..

وذاكرة تتمنى أن تعاد خطوطها من جديد..

فلا تبخسوا العيون .. دمعها النازل على وشاح أسود ..يفتن الدراويش على أبواب المساجد الخشبية العالية..

 

١٠- كل الحارات التي وصلها خبر التابوت الملقى على رصيف الانتظار..

أرسلت أولادها على جناح النخوة..

وبساط الشهامة..

لمساعدة (عضوات الحارة) على الرأي والندب والدفن ..

أو الاحياء والنشور من جديد..

لانهم مشتاقون الى عودة ثانية.. الى هناك.. والى هنا .. وللمرة الاخيرة.. لشرفية (العمدة )التي تنتظر أبطالها..

لعشق ٍ غير ممنوع

 

١١- رسالة شديدة اللهب..

ومدوية الرعد ..

من عيون مختلفة الالوان ..

والاحجام ..

والمهمات والجمال..

عيون راصدة..

وعيون ساهرة..

وعيون مرهقة من الأرق المزمن..

الذي تعلق برموشها..

تريد أن تبقى أمام المرآة

تتحسس ..ولاتتجسس

وتكبر ولا تصغر لمشاهد التوابيت.. التي ستعقب التابوت الذي ينتظر التشييع ..

ولكنه لايتردد في النعي ..

على طريقة أهل العراق المشتقة من الحزن .. والمغسولة بالدمع.. والمشغولة بالنحيب..

اليكم ..أيها الأوفياء..

لاتطيلوا الوقوف على التابوت..

بعد أن استلمتم شهادة الوفاة التي تؤكد الموت .. ولم تذكر الاسباب ..

لكي تبقى الدموع على ذمة الحساب الجاري.. في مصرف التاريخ..

الذي لم تطرق ابوابه الا في أيام معدودات..

لانه من المساحات المقدسة .لذوات طويلة في المكان والزمان..ولكنها مازالت تبكي على اللبن المسكوب..

 

 


مشاهدات 45
الكاتب عباس الجبوري
أضيف 2026/02/23 - 11:34 PM
آخر تحديث 2026/02/24 - 1:44 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 89 الشهر 18586 الكلي 14950229
الوقت الآن
الثلاثاء 2026/2/24 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير