الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
العراق في قلب الإستهداف المنهجي

بواسطة azzaman

العراق في قلب الإستهداف المنهجي

وليد الحيالي

 

مقدمة

منذ أكثر من ثلاثة عقود، لم يعرف العراق استقرارًا مستدامًا. لم تكن اضطراباته وليدة خلل داخلي صرف، بل نتاج تفاعل معقّد بين هشاشة الداخل وتدخّلات الخارج، ولا سيما دول الجوار التي وجدت – كلٌ وفق مصلحته – في عراقٍ ضعيفٍ مجالًا حيويًا لتصفية الحسابات، أو تصدير الأزمات، أو إعادة تشكيل التوازنات الإقليمية.

ومع التحولات الكبرى بعد 2003، انتقلت هذه التدخلات من الطابع التقليدي إلى نمط الفوضى المُدارة: تفجير، تهريب، تزوير عملة، مخدرات، اغتيالات، اختطاف، وإرهاب عابر للحدود.

أولًا: دول الجوار والعراق… تاريخ من التداخل والصراع

لا يمكن فهم ما جرى للعراق بمعزل عن محيطه:

 • تركيا: ملف المياه (سدود دجلة والفرات)، التوغلات العسكرية، واستخدام الورقة الأمنية.

 • السعودية والكويت: أبعاد اقتصادية وسياسية وتاريخية معقدة، من الحصار إلى إعادة التموضع الإقليمي.

 • إيران: نفوذ سياسي-أمني مباشر بعد 2003، واستثمار الفراغ المؤسسي العراقي.

غير أن سوريا ظلت – لسنوات – مستبعدة من الخطاب العراقي الرسمي والشعبي، بوصفها “الجار القريب ثقافيًا واقتصاديًا”، قبل أن تتكشف أدوار أكثر تعقيدًا وخطورة.

ثانيًا: سوريا… من الاستثناء إلى الحلقة المحورية

تكشف الوقائع خلال العقدين الأخيرين أن الأراضي السورية تحولت – بفعل الحرب والانهيار المؤسسي – إلى:

1. ممر ومعسكر تدريب

تبادل قيادات

تقارير دولية وشهادات ميدانية أكدت أن آلاف المقاتلين الذين نفذوا عمليات داخل العراق بعد 2003، ولاحقًا مع صعود “داعش”، دخلوا عبر الحدود السورية، أو تلقوا تدريبهم داخلها في مراحل مختلفة.

 2. حاضنة تنظيمية لداعش

نشأة “داعش” العابرة للحدود لم تكن ممكنة دون المجال السوري-العراقي المفتوح، حيث جرى تبادل القيادات، والسلاح، والتمويل، مستفيدًا من الفوضى في البلدين.

 3. اقتصاد الجريمة المنظم

 • المخدرات: تحوّل الجنوب السوري إلى مركز تصنيع وتهريب (خصوصًا الكبتاغون)، والعراق أحد الأسواق ومسارات العبور.

 • تزوير العملة: ضبط شبكات تزوير مرتبطة بمطابع خارج العراق، استخدمت لتمويل جماعات مسلحة وإغراق السوق.

هذه الوقائع لم تعد اتهامات إعلامية، بل موضوع تقارير أممية وإقليمية متكررة.

ثالثًا: الدور الأميركي… الفوضى بوصفها أداة

لا يمكن تجاهل أن الولايات المتحدة، منذ احتلال العراق، أدارت المشهد وفق منطق إضعاف الدولة لا إسقاط الفوضى:

 • حلّ مؤسسات الدولة.

 • إدارة الصراع الطائفي دون حسم.

 • غضّ الطرف عن حركة المقاتلين عبر الحدود في مراحل مفصلية.

 • استخدام “داعش” ذريعة لإعادة الانتشار العسكري، لا لاجتثاث جذور الإرهاب.

هذا لا يعني تبرئة الفاعلين الإقليميين، بل وضعهم ضمن هندسة دولية سمحت، ونسّقت أحيانًا، وتغاضت في أحيان أخرى.

رابعًا: مخطط التفكيك… العراق نموذجًا

ما جرى ويجري في العراق ليس حدثًا عشوائيًا، بل جزء من:

 • إبقاء الدولة ضعيفة: اقتصاد ريعي، فساد، سلاح منفلت.

 • تمزيق النسيج الاجتماعي: طائفية، إثنيات، هويات فرعية متصارعة.

 • استنزاف الموارد: تهريب نفط، عملة، مخدرات، عقول مهاجرة.

في هذا السياق، تتوزع الأدوار:

 • دول جوار تنفذ أو تستفيد.

 • قوى كبرى ترعى أو تدير.

 • نخب محلية فاسدة تؤدي دور الوكيل.

خاتمة

إن تحميل جهة واحدة مسؤولية ما أصاب العراق تبسيط مخلّ. فالمشهد شبكة مصالح إقليمية ودولية تلاقت على هدف واحد: عراق ضعيف، ممزق، قابل للإدارة لا للنهوض.

غير أن إدراك هذا المخطط شرط أولي للخروج منه. فالدولة التي لا تسمي مصادر الخطر، ولا تبني سياسة سيادية متوازنة، تبقى ساحة لا لاعبًا.

العراق لم يُنهك بالصدفة… بل أُنهك بالتخطيط.

 


مشاهدات 69
الكاتب وليد الحيالي
أضيف 2026/02/25 - 12:27 AM
آخر تحديث 2026/02/25 - 4:05 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 152 الشهر 19516 الكلي 14951159
الوقت الآن
الأربعاء 2026/2/25 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير