الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
التعرفة الكمركية الجديدة

بواسطة azzaman

التعرفة الكمركية الجديدة

فارس كامل حسن

 

لم تكن التعرفة الكمركية العراقية الجديدة مجرّد إجراء مالي يهدف إلى تعظيم الإيرادات غير النفطية، بل تحوّلت عمليًا إلى اختبار حقيقي لهشاشة البنية النقدية والاقتصادية في العراق. فالمشكلة لا تكمن في مبدأ فرض الكمارك بحد ذاته، بقدر ما تكمن في السياق الذي طُبّق فيه هذا الإجراء، وفي تجاهل العلاقة العضوية بين السياسة الكمركية ودوران النقد داخل الاقتصاد.

اذ يعتمد العراق اعتمادًا شبه كامل على عائدات بيع النفط، وهي عائدات تُستلم بالدولار الأميركي عبر شركة تسويق النفط (سومو)، ثم تُحوَّل إلى البنك المركزي العراقي، الذي يسلّم وزارة المالية ما يقابلها من الدينار لتمويل الرواتب والنفقات العامة. غير أن هذه الحلقة تواجه معضلة جوهرية تتمثّل في كيفية تصريف الدولار مقابل توفير الدينار، في ظل غياب نافذة عملة فعّالة، وانحسار بيع الدولار للمسافرين ضمن سقوف محدودة لا تغطي إلا جزءًا ضئيلًا من الحاجة الفعلية.

في هذا السياق، شكّلت الاعتمادات المستندية المفتوحة للتجار الأداة الأكثر فاعلية لتدوير النقد؛ إذ يقوم التاجر بإيداع الدينار في المصارف المحلية، ليُحوَّل الدولار إلى بلد منشأ البضاعة، وبذلك يتحقق هدف مزدوج: تصريف الدولار من جهة، وضخّ الدينار في السوق من جهة أخرى. غير أن رفع التعرفة الكمركية، وبصورة مفاجئة، أدّى إلى تعطيل هذه الآلية الحسّاسة، بعدما دفع عددًا كبيرًا من التجار إلى تقليص الاستيراد أو التوقف عنه نتيجة ارتفاع الكلف، وتعقّد الإجراءات، وتراجع القدرة الشرائية للمواطن.

إن تراجع الاستيراد لا يعني فقط نقص السلع أو ارتفاع الأسعار، بل يعني بالدرجة الأولى انقطاع أحد أهم مسارات تحويل الدولار إلى دينار داخل النظام المالي. ومع استمرار هذا المسار، تجد الحكومة نفسها أمام فائض دولار لا يجد طريقه الطبيعي إلى السوق، مقابل شحّ متزايد في الدينار، الأمر الذي ينعكس مباشرة على قدرة الدولة في الإيفاء بالتزاماتها، وفي مقدمتها دفع الرواتب وتمويل النفقات التشغيلية.

وفي ختام هذا المشهد، تبدو الحاجة ملحّة إلى مراجعة حكومية جادّة للتعرفة الكمركية، من حيث توقيت فرضها وآلية تطبيقها، واعتماد التدرّج والإعفاءات المدروسة لبعض القطاعات، بما يضمن دوران العجلة الاقتصادية قبل تعظيم الجباية. فالإصرار على سياسات مالية متعجلة، في اقتصاد يعاني أصلًا من اختلالات بنيوية، لا يزيد الإيرادات بقدر ما يخلق أزمة سيولة، وقد ينتهي إلى خنق الحكومة نفسها بنفسها عبر أزمة مفتعلة كان يمكن تفاديها بالحكمة والتدرّج.

 

 


مشاهدات 64
الكاتب فارس كامل حسن
أضيف 2026/02/10 - 5:37 PM
آخر تحديث 2026/02/11 - 2:23 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 93 الشهر 7891 الكلي 13939535
الوقت الآن
الأربعاء 2026/2/11 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير