الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
جامعات أم مشاريع استثمار ومستقبل التعليم

بواسطة azzaman

جامعات أم مشاريع استثمار ومستقبل التعليم

رشيد العجيل

 

بينما تُبنى الأوطان فوق ركائز التعليم والبحث العلمي الرصين، يبدو أن المشهد التعليمي في بلادنا يسير عكس الاتجاه. فما نراه اليوم من تناسل محموم للجامعات الأهلية في كل زقاق وشارع، لم يعد يُصنف ضمن إطار "الاستثمار في العقول"، بل بات أقرب إلى "عملية إغراق منظمة" لسوق العمل بجيوش من الخريجين الذين يحملون ألقاباً علمية بلا مهارات حقيقية، مما يهدد بتحويل التعليم من رافعة للاقتصاد إلى أفة مرضية تهدد الأمن المجتمعي.

 

إن جوهر الأزمة يكمن في تغليب "المنطق التجاري" على "المعيار الأكاديمي". ففي الوقت الذي ينبغي فيه أن تخضع الكوادر التدريسية لمعايير صارمة واختبارات كفاءة وطنية، نجد أن الكثير من هذه المؤسسات تعتمد على مبدأ "التوفير" في استقطاب الأساتذة، أو الاعتماد على كوادر غير متفرغة، مما يُفقد العملية التعليمية استقرارها ورصانتها.

أما المناهج، فحدث ولا حرج؛ فهي في الغالب نسخ مكررة لا تلمس الواقع التقني المعاصر، تُدرس في مبانٍ قد لا تصلح لتكون مراكز تدريبية، فضلاً عن كونها جامعات تضم تخصصات دقيقة كطب الأسنان والصيدلة والذكاء الاصطناعي.

فخ "التخصصات الحديثة " وخديعة القبول

من المثير للقلق السياسي والأمني، أن تفتتح جامعات تخصصات مثل "الأمن السيبراني" أو "الطيران المسير" وهي لا تملك مختبراً واحداً يحاكي هذه التقنيات. إنها "فانتازيا التعليم" التي تُستخدم كواجهة إعلانية لجذب الطلبة، مستغلةً رغبة الشباب في مسميات وظيفية براقة. هذا الخلل في شروط القبول، حيث يصبح "المعدل" ثانوياً أمام "القسط الدراسي"، أدى إلى ضرب مبدأ تكافؤ الفرص وقتل روح التنافس العلمي.

 

السياسة التعليمية الناجحة هي التي تقرأ حاجة سوق العمل بعد عشر سنوات، لكن ما يحدث عندنا هو "تقليد أعمى". فإذا نجحت كلية طب أسنان في تحقيق أرباح، تسارعت عشر جامعات لافتتاح القسم ذاته. والنتيجة؟ آلاف الخريجين في تخصصات وصلت إلى مرحلة "التشبع القاتل"، ليجد الخريج نفسه أمام خيارين: إما طوابير التعيين الحكومي الوهمي، أو الانضمام لصفوف العاطلين.


 

المسؤولية الضائعة واستراتيجية الإنقاذ

ومن المسؤول عن هذه الفوضى؟

 هل هي وزارة التعليم والبحث العلمي التي تمنح الرخص دون دراسات جدوى حقيقية؟ أم هي الجهات الرقابية التي تغض الطرف عن "دكاكين الشهادات"؟

إن بناء الأوطان يتطلب وقفة شجاعة تشمل:

1. حظر أكاديمي مؤقت: إيقاف منح الموافقات للتخصصات المشبعة فوراً.

2. الغربلة الوطنية: إخضاع جميع التدريسيين والمناهج في الجامعات الأهلية لتقييم دوري من قبل لجان وطنية مستقلة.

3. التوأمة مع الإنتاج: لا إجازة لأي قسم لا يثبت ارتباطه بفرص عمل في القطاع الخاص أو الصناعي.

إننا أمام خيارين لا ثالث لهما: إما استعادة هيبة التعليم وفرض المعايير الأكاديمية الصارمة، أو الاستمرار في "تفريخ البطالة" وانتظار لحظة الانفجار الاجتماعي لجيش المتعلمين الذين لم يجدوا من شهاداتهم سوى الحبر على الورق.


 

 


مشاهدات 73
الكاتب رشيد العجيل
أضيف 2026/02/08 - 3:09 PM
آخر تحديث 2026/02/09 - 7:35 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 274 الشهر 6296 الكلي 13937940
الوقت الآن
الإثنين 2026/2/9 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير