الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
كائن الرماد

بواسطة azzaman

كائن الرماد

فراس عبد الحسين

 

في المساء، حين تنسحب الشمس خجلة خلف الغبار العالق في الأفق، مرتدية وشاحاً من الشفق الأحمر الذي يصبغ كل شيء بلون الدم، تخفت الأصوات حتى لا تكاد تميّز بين أنين الريح ونحيب الأرصفة المهترئة، صوت المدينة وهي تتنفس بصعوبة، تبدأ العباسية في كربلاء بالكشف عن أسرارها القديمة التي طالما اختبأت تحت طبقات من النسيان.

الأزقة هناك ملتوية كأنها خيوط ذاكرة محترقة، تتلوى بين بيوت نصفها من طين يعانق الماضي ونصفها الآخر من وجع يصرخ في الحاضر، تغلفها طبقات سميكة من الغبار الصامت، كأن المدينة نسيت أن تتنفس، أو أنها اكتفت من الأنفاس الثقيلة، لكن في عمق هذا الركود، تختبئ فلسفة الحياة التي تقول إن الدمعة لا بد أن تتبعها ابتسامة، وأن الحزن هو ركيزة بناء مستقبل أفضل.

في ذلك الركن المنسي من كربلاء، حيث تتنفس الأرصفة التاريخ من بين تشققاتها العميقة، كأنها تحاول البوح بما رأته عبر العصور، ظهر فجأةً كائنٌ لا أحد يعرف من أين جاء، وكأن الأرض لفظته من جوفها بعد أن احتفظت به سراً طويلاً. لم يكن بشريًا تمامًا، فلم يملك دفء البشر، ولا شبحًا خالصاً، بل مزيجًا غريبًا ومحيراً من الرماد البارد والذكريات الحارقة، تجسيدًا لحكمة أن الحياة دمعة وابتسامة، وأن من رحم الحزن يولد الأمل لبناء السعادة.

قالوا إن ملامحه تتغير كل ليلة، تتراقص بين الوجوه المنسية، ويحمل بين عينيه لمعة تشبه لهبًا خامدًا، يوشك على الانطفاء لكنه يخبئ في طياته شرارة أبدية. الأطفال يخافونه، يختبئون خلف أمهاتهم وهم يلمحونه من بعيد، والكهول يشيرون إليه من خلف النوافذ المغلقة بأيدٍ مرتعشة، كأنهم رأوا بعثاً لميت. أما الباعة فيغلقون أكشاكهم مبكرًا حين يسمعون خطاه الثقيلة، التي ترن في الأفق مثل صوت الموت!

لم يكن له اسم بشري، لكن الناس سمّوه "أبو الرماد" لأنه يترك أثرًا رماديًا على الأرض خلفه، كأنه يحرق الزمن ببطء ويستهلكه، يمتص الذكريات القديمة بكل قسوة، لكنه يزرع في صمتٍ، بذرةً لكل ابتسامةٍ قادمة، مذكرًا بأن الحزن هو تربةٌ خصبة لبناء السعادة والمستقبل.

بدأت القصة الحقيقية لأبي الرماد بمقتل شاب يُدعى حسن، كان يعمل سائق تكسي صغيرة، يكدح ليلاً ونهاراً من أجل لقمة العيش، حيث تفكّك جسده إثر انفجار عنيف هز الحي في إحدى الليالي المظلمة، ولم يُعثر على جثته كاملة، فقط بقايا متناثرة. في صباح اليوم التالي، الذي عمّه الحزن والصمت، ظهرت ملامح حسن على وجه الكائن الرمادي لوهلة قصيرة، صورة تكونت من لا شيء، ثم تلاشت مثل دخان.

وبعد أيام من ظهور الكائن، قال رجل أعمى يجلس عند باب بيته إنه شعر بلمسة دافئة من يد ابنته الراحلة، تلامس كتفه المرتعش عندما اقترب الكائن منه، لمسة لم يختبرها منذ وفاتها. والأرملة أم ليث، التي فقدت زوجها وابنها، قالت بابتسامة حزينة: إنه لا يؤذي أحداً، بل يعيد لهم ملامح من فقدوهم.

كأن المدينة تنزف ذاكرتها من خلاله، في محاولة يائسة للاحتفاظ بماضٍ يتلاشى، وكأن الكائن لم يكن يعيد ذكرى الفقد فحسب، بل يهمس بأن هذه الذكريات المؤلمة هي جزء من نسيج الحياة الذي يضم الدمعة والابتسامة معًا، لتبني سعادة مستمرة.

صوته الخافت، الذي لم يسمعه أحد بوضوح، وكأنه يهمس بأسماء الغائبين، يستدعي أرواحهم من العدم.

يظهر الكائن في الليل، تحت ستار الظلام الذي يوفر له العزلة والغموض. يتجوّل بين الحسينيات المهجورة التي كانت يوماً تعج بالناس، يقف طويلاً أمام الجدران المغطاة بنشرات الشهداء القديمة، وجوه شاحبة تحدق في الفراغ، يلمس الصور بإصبع واحدة، كأنه يقرأ حكاياتها بلمسة صامتة، ثم يواصل سيره دون أن يتحدث، صامت مثل صمت المقابر.

زهراء، الطفلة البريئة التي لم يلوثها الخوف بعد، كانت أول من اقتربت منه بفضول. قالت لأمها، وعيناها الواسعتان تحملان لمحة من الفزع، إن وجهه يشبه وجه أبيها الذي فقدته، لكنه كان يحترق بهدوء، كأن الدخان يخرج من جلده دون لهب يرى، ألم صامت يستمد وجوده من الحزن الكامن في المكان.

أراد البعض مطاردته، لمعرفة سره، أو ربما للتخلص منه، لكن كل من لحق به اختفى مؤقتًا، ذاب في الهواء، ثم عاد مذهولًا، صامتًا، كأن الكلمات خنقها شيء لم يُر، وكأن الصمت أصبح لغتهم الجديدة بعد تلك المواجهة.

في ليالي العباسية، حين يسود الظلام الدامس وتخفت أضواء المنازل المتفرقة، أغلب هذه البيوت قديمة، آيلة للسقوط، لكنها ما زالت تعبق بعطر الماضي وذكرياته. تتخلل هذه الدروب سواقٍ للمياه الآسنة، تعكس ضوء القمر الباهت، وتزيد من غموض المكان وسحره.

في هذا الجو المشحون بالتاريخ والغموض، يتحوّل الحي إلى مسرح صمتٍ ثقيل، صمتٌ يسبق العاصفة، يُقطعه أحيانًا همس الريح الباردة أو خطوات خفيفة لا تُرى، كأن الأشباح تتجول فيها.

في هذا السكون الذي يلف المكان، يظهر الكائن كظلٍ هارب من ذاكرة المدينة، يتحرك بخطى هادئة بين الأزقة الضيقة، تاركًا خلفه أثر رمادي يتلوّن تحت ضوء القمر الخافت، يخط قصته الخاصة على الأرض. يخشى الناس الاقتراب منه، يهمسون بأسماء في صمت خوف، يتجنبون النظر إليه مباشرةً، كأنه تجسيد لجروحهم القديمة التي لم تندمل، ألم لا يريدون تذكره.

لكن في أعماقهم، تترك زيارته شعورًا غريبًا، مزيجاً من الخوف والأمل، وكأنه يحيي ذاكرتهم الميتة ويعيد لهم جزءًا من الحزن الذي ظنوا أنهم فقدوه، حزناً ضرورياً للشفاء، مذكرًا إياهم أن هذا الحزن، بقدر ما هو مؤلم، لكنه الينبوع الذي ستنبثق منه أفراح الغد، وأن الحياة لا تكتمل إلا بدموعها وابتساماتها.

أما في النهار، فتتحول هذه المخاوف إلى تأمل متردد، مزيج من الفضول والخوف. يخرج البعض بحذر إلى الشوارع الخالية، يلمحونه من بعيد وهو يقف صامتًا أمام جدران الحسينيات المهجورة التي شهدت الكثير من المآسي، يمر ببطء بجانبهم دون أن يلتفت.

كان الشيخ فاضل، رجلٌ مسنٌّ يمتلك حكمة السنين، يقول بصوت منخفض لكنه يحمل اليقين: "إنه ليس وحشًا، بل هو ذكرياتهم التي لم تجد راحة، يريد أن يذكرهم بأن الألم لا يُنسى، لكنه قد يشفى إذا اقتنعوا به وتقبلوه. الألم هو بداية الشفاء، هو الدمعة التي تروي أرض القلب لتنبت زهور الابتسامة. فالحياة كلها دمعة وابتسامة، حزنٌ يسبق بناء السعادة والمستقبل."

بعض النسوة ينظرن من النوافذ، يراقبن الحي بعينين مبللتين، يبحثن عن شيء قد يعود أو يختفي مع أبو الرماد، بصيص أمل في عودة الغائبين. هذه التداخلات بين الخوف والتأمل تجعل من هذا الكائن رمزًا حيًا للمدينة نفسها، جرحٌ مفتوح ينزف ألماً، ولكنه ينبض بالحياة، يبحث عن السلام في قلب الرماد، سلام يأتي بعد الاعتراف بالوجع.

في إحدى الليالي، حاول شاب اسمه منتظر أن يواجه الكائن، يمتلك جرأة اليائس وفضول الباحث عن الحقيقة. قال بصوت مرتجف لكنه يحمل إصراراً: "أريد أن أعرف الحقيقة، أن أرى وجهه الحقيقي!" تبعه إلى أطراف حيّ العباسية المهجور، وهناك، تحت عمود كهرباء باهت اللون، توقف الكائن فجأة، كما لو أنه ينتظر تلك المواجهة. اقترب منتظر وطلب منه بصوت مرتجف أن يخبره من هو، من هذا الكائن الغامض الذي يسيطر على أرواح الناس.

رفع الكائن رأسه ببطء، وكان نصف وجهه يشبه والد منتظر الذي قُتل قبل سنوات في حادثة غامضة، صورة حية لأبٍ مفقود، ونصفه الآخر كأنه قناع محترق، مشوه بالرماد والألم. لم يقل شيئًا، فقط وضع يده الرمادية الباردة على كتف الشاب، لمسة اخترقت روحه، ثم اختفى في الظل، ذاب في عتمة الليل.

منذ تلك الليلة، لم يعد منتظر كما كان. تغيرت روحه، أدرك أبعاداً جديدة للوجود والألم، فهم أن الدمعة لا تمحو الفرح، بل تعد الطريق إليه. صار يرسم بأصابعه على جدران العباسية الباهتة أسماء الموتى، كل اسم يحمل قصة، ويشعل تحتها شموع صغيرة تشتعل، نجومٍ ضائعة في عتمة الليل، تنير الظلام بضوء خافت لكنه يحمل الأمل، ثم يجلس بهدوء ليقرأ الفاتحة على أرواحهم، كأنه يحاول أن يعيد للحياة بعضًا من ألحانها المفقودة، مؤمناً بأن الفرح الحقيقي ينبع من عمق الحزن الذي يمر به الإنسان، وأن الضحكة لا تكون صادقة إلا بعد مرورها بدمعة، وأن الحزن هو سبيل بناء السعادة.

بدأت المدينة تتغير ببطء، وكأن شيئًا خفيًا يعيد نسج روحها من رماده الخاص. الأشجار التي جفّت أمام البيوت بدأت تُنبت أوراقًا خضراء، خجولة في أول الأمر، كأنها تخشى الحياة، ثم أصبحت أكثر كثافة كأنها تصدّق أن الحياة ممكنة من جديد، الأرصفة المهجورة امتلأت بخطوات أطفال لم يعتادوا اللعب خارج جدران البيوت، عادوا يملئون الحي بضحكاتهم البريئة، وامرأةٌ كانت قد فقدت صوتها من الحزن العميق، جلست على عتبة بابها تُغنّي بصوت مبحوح أغنية قديمة عن الغائبين، أغنية تتغلغل في القلوب، وتعيد الأمل للحياة.

كأن المدينة تكتشف صوتها مرة أخرى، صوت يتغنى بأن الحياة هي دمعة وابتسامة، وأن الحزن هو الأساس الذي يبنى عليه صرح السعادة والمستقبل.

في الصباح، كتبت الصحف المحلية والعالمية أن كربلاء تشفى على يد كائن غريب بلا صوت ولا ملامح ثابتة، في ظاهرة عجيبة لم يستطع العلم تفسيرها.

في إحدى الليالي الصيفية، جلس الكائن قرب بئر قديم مهجور في الساحة القديمة التي شهدت الكثير من المآسي، وبدأ ينثر الرماد من يده على الأرض الجافة، الرماد الذي كان يتركه أينما حلّ. فجأة، نمت شجرة نخيل ارتفعت قرب البئر القديم، تحمل بين سعفها سرّ الحياة، وتهمس بنسمات لا يعرفها إلا العطشى، نسمات تروي الروح. وقف الناس حوله في حالة من الذهول والرهبة، مشدوهين كأنهم يرون معجزة تتكوّن من الرماد والموت، لكنهم لم يقتربوا، فقد كانت هيبة الرماد تمنعهم.

في اليوم التالي، اختفى. ترك خلفه خطًا من الرماد يمتد من الساحة حتى باب المقبرة القديمة، كأنه طريق يحدده لأجيال قادمة. وحين تبعوه إلى هناك، وجدوا قبرًا جديدًا لم يكن موجوداً من قبل، كُتب عليه "أن لكل من لم يُدفن، هذا مأواه." إعلانٌ بأن لا أحد يُنسى. لكن لم تكن تلك نهايته الحقيقية.

في الليالي التي تسبق عاشوراء، تلك الليالي المقدسة المليئة بالحزن والتأمل، حين تخفت أضواء المدينة، ويُخيّم السكون فوق المواكب التي كانت تملأ الشوارع، ظهر الكائن مجددًا، وكأن الحدث يستدعيه. لم يكن يسير هذه المرة، بل كان جالسًا قرب خيمة سوداء منصوبة في زاوية الطريق، خيمة تجسد حزن المناسبة، يمدّ يده إلى الفارغ ويبدو كأنه يواسي أحدًا لا يُرى، روحاً غائبة.

النخلة التي نمت قرب البئر القديم، قد حملت تمرًا ناضجًا في غير أوانه، معلنة عن حياة جديدة تنبع من قلب المعاناة.

منذ ذلك الحين، صار أهل العباسية يقولون إن الألم حين يُفهم، لا يبقى وحشًا يطاردهم، بل يتحول إلى ظلّ يمشي بينهم، يُربّت على الأرواح المتعبة، يزرع البنفسج في الشقوق، في أصعب الأماكن.

في قلب العباسية، حيث تتعالى أصوات الحياة الجديدة وتختلط بصدى التاريخ العتيق، ينثر هذا الكائن رماده، ذكرى عابرة بين دفاتر الزمن، يترك بصمته الخالدة. هناك، حيث تتقابل قصص الأمس واليوم، تتجلى المدينة في أسمى معانيها، لا كجماد أو رماد ميت، بل نبض حي يعانق الأفق، يروي قصة الصمود والإصرار.

الكائن ليس سوى ظلٍ يتجول في دروب كربلاء، يحمل هموم الناس وأحزانهم، ليذوب بينها كأنه جزء من ترابها الذي شهد الكثير. وعندما ينثر رماده، لا يكون إلا بركة تروي القلوب التي تئنّ، وزهرة تنبت في صحراء الجراح، تضيء الأمل في النفوس، لتذكرهم أن الألم لا يمكن أن يمحو الحياة، بل قد يكون بذرة لجمال جديد.

هنا، حيث تتعانق الأرض والسماء، تعلّمت المدينة كيف تحزن دون أن تحترق باليأس أو تنصهر في الوجع، وكيف تزرع الأمل وسط الرماد الذي خلفته المآسي. ويستمر أبو الرماد رحلته الأبدية، حارسًا لذاكرة لا تموت، وصوتًا يهمس في آذان العابرين ألا ينسوا من كان سبب الحزن، ولا من جعل للصبر معنى خالدًا يتجاوز حدود الزمان والمكان، ليظل الأمل رفيق دربهم الأبدي، وأن يبتسموا ويضحكوا لأن الحياة دمعة وابتسامة.

 


مشاهدات 89
الكاتب فراس عبد الحسين
أضيف 2026/02/04 - 2:33 PM
آخر تحديث 2026/02/05 - 1:49 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 83 الشهر 3143 الكلي 13934787
الوقت الآن
الخميس 2026/2/5 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير