العراق.. زمن التعافي أم استعجال الحُكم؟
منتصر صباح الحسناوي
في كلِّ مرحلةِ تحوّلٍ كبرى، يختلط الإحساس بالزمن، ما نراه طويلاً في أعمارنا يبدو قصيراً في أعمار الدول، السنوات التي نعدّها ثقيلةً وممتدّةً قد لا تكون في سجلّ التاريخ سوى فصلٍ تمهيديٍّ في مسارٍ أطول وأعمق.
يقف العراق اليوم في هذه المسافة الحرجة بين الإحساس الفردي بالبطء، والإيقاع البطيء الطبيعي لبناء الدول. فمنذ عام 2003 دخل البلد طوراً جديداً من إعادة التشكّل السياسي والمؤسسي والاجتماعي.
ثلاثة وعشرون عاماً في حساب الإنسان تبدو زمناً طويلاً، غير أنّها في حساب التحوّلات التاريخية ليست سوى بداية إعادة ترتيب البيت الداخلي بعد عقودٍ من الحروب والعزلة والانغلاق.
الدول الخارجة من أنظمةٍ مغلقةٍ أو صراعاتٍ كبرى تحتاج في العادة إلى عقدين أو ثلاثة كي تستقرّ مؤسساتها وتتماسك هويتها السياسية.
ألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية احتاجت أكثر من عشرين عاماً كي تستعيد عافيتها المؤسسية والاقتصادية.
إسبانيا بعد حقبة فرانكو احتاجت جيلاً كاملاً لترسيخ انتقالها الديمقراطي، دول أوروبا الشرقية بعد عام 1991 مرّت بمرحلة سيولةٍ سياسيةٍ واقتصاديةٍ قبل أن تستقرّ قواعد اللعبة العامة.
هذه المقارنات لا تُستنسخ بحرفيتها، غير أنّها تضع زمن العراق في سياقٍ أوسع.
في علم التحوّل السياسي تُعرَف المراحل الأولى من إعادة البناء بمرحلة «السيولة المؤسسية»، تتكاثر الأحزاب، تتداخل الصلاحيات، يرتفع منسوب النقد، تتسارع التناقضات، ويختلط الإنجاز بالخطأ.
قد تبدو الصورة مضطربةً، غير أنّ جزءاً من هذا الاضطراب ناتجٌ عن إعادة توزيع السلطة داخل المجتمع، وانتقالها من مركزٍ واحدٍ إلى مراكز متعدّدة.العراق عاش عقوداً من مركزية القرار، ثم دخل فجأةً في فضاء التعدّد، هذا الانتقال لم يكن سلساً ولا يمكن أن يكون كذلك.
سنوات اخيرة
التعدّد يحتاج إلى قواعد تُبنى بالتجربة، والخطأ جزءٌ من عملية التعلّم المؤسسي، غير أنّ الخطأ شيء، وفقدان المسار شيءٌ آخر.
في السنوات الأخيرة، وعلى الرغم من الأزمات السياسية والأمنية والضغوط الإقليمية، شهد العراق مساراتٍ واضحة في البنى التحتية وفي إعادة إعمار مدنٍ أنهكتها الحرب وفي الانفتاح الدبلوماسي على محيطه العربي والإقليمي وفي محاولات إعادة التوازن للاقتصاد وتنشيط الاستثمار.
هذه الوقائع قائمة حتى مع استمرار مظاهر الفساد والتقصير الإداري.
إنّ وجود الخلل لا ينفي وجود الحركة، كما أنّ وجود الحركة لا يُبرّئ الخلل.
المشكلة الأعمق تكمن في الإحساس العام بفقدان الثقة عندما يترسّخ لدى المجتمع شعورٌ بأنّ المؤسسات لا تعبّر عنه أو أنّ النقد يتحوّل إلى هدمٍ شاملٍ لكلّ ما هو قائم، وذلك ممكن يدخل البلد في دائرةٍ أخطر من أزمته السياسية.
التعافي، لا يكتمل بالبناء المادي وحده وإنّما باستعادة الثقة التدريجية بين الدولة والمجتمع ، وهذا الامر الاصعب الذي يتطلب ارضاء المجتمع مع تطلعات الدولة.
هنا يأتي دور الهوية الوطنية ومعززاتها التي تكون في لحظات التحوّل تكون عرضةً للاهتزاز، ولعل لذلك سبباً رئيساً بارتباطها بالدولة قبل ان تعزز أُسسها من الهويات الفرعية التي تمثل بحسن إدارتها، الهوية الجامعة.
التجربة الديمقراطية، ما زالت فتيةً والأجيال الشابة التي تشكّل النسبة الأكبر من المجتمع العراقي تنظر إلى الدولة من زاوية المستقبل لا من زاوية الذاكرة التي لم يعيشوها اصلاً.
هذا التحوّل في الوعي يفرض تحدّياً مزدوجاً: كيف نحافظ على تراكم الخبرة تقليدي، ونفسح في الوقت ذاته المجال لتجديدها بافكار الجيل الجديد ؟
العراق، بلد التاريخ ، ومجتمعه متجذر في بيئه متنوعه لكل منها سماتها وطباعها المتعدّد الروافد، تشكّلت عبر قرونٍ من التفاعل بين الجغرافيا والناس والثقافة.
غير أنّ الدولة الحديثة بصيغتها المؤسسية ما زالت في طور إعادة البناء، هنا يكمن الفرق بين عمق الحضارة وحداثة التجربة السياسية.
المشهد اليوم، قد نجد تخبّطاتٍ سياسيةً وصراعاتٍ حزبيةً وأخطاءً إداريةً وفساداً يحوم في الأفق.
غير أنّنا نرى أيضاً جيلاً طموحاً ومجتمعاً أكثر جرأةً في النقد حد الإفراط ، ومؤسساتٍ تحاول أن تتطوّر، ومشاريعَ تسعى إلى تثبيت الاستقرار الاقتصادي والخدمي.
الصورة مركّبة، ولا تُقرأ بزاويةٍ واحدة.
السنوات التي نعيشها قد تبدو طويلةً في أعيننا، لكنّها في ميزان الدول ليست سوى مرحلةٍ انتقاليةٍ من مراحل إعادة التشكل.
التعافي قد يمر بمنحنياتٍ صاعدةٍ وهابطةٍ، لكن المهم أن يبقى الاتجاه العام نحو البناء وأن تتحوّل الأخطاء إلى دروسٍ لا إلى مبرّراتٍ لليأس.
العراق، بكلّ ما فيه، ما زال في مسار البحث عن توازنه… لا في نهاية الطريق.
اليوم نحن أمام اختبارٍ تاريخيٍّ لا يُقاس بنتائج موسمٍ سياسيٍّ واحد، وإنما بقدرته على ترسيخ قواعد مؤسسيةٍ تتجاوز الأفراد وتُنتج استقراراً عبر الأجيال.
إذا نجح في تثبيت هذه القواعد، ستبدو سنوات التخبّط الأولى جزءاً طبيعياً من قصة التعافي.
وإذا أخفق، ستتحوّل إلى حلقةٍ مفرغة.