الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
الماء في العراق..  من مهد الحضارة إلى أزمة الوجود

بواسطة azzaman

الماء في العراق..  من مهد الحضارة إلى أزمة الوجود

هدى زوين

 

لم يكن الماء في العراق يومًا موردًا طبيعيًا عابرًا، بل كان جوهر الحياة وروح المكان وأساس تشكّل الحضارة. بين دجلة والفرات لم تولد الجغرافيا فقط، بل وُلد التاريخ نفسه؛ هناك قامت أولى المدن، وكُتبت الشرائع الأولى، وتعلّم الإنسان كيف ينظّم حياته ضمن مجتمع وقانون ونظام. لذلك لم يكن ارتباط العراق بالماء ارتباط منفعة، بل علاقة وجود وهوية.عُرف العراق منذ القدم ببلاد الرافدين، وهو توصيف لم يكن جغرافيًا فحسب، بل حضاريًا وثقافيًا. فالماء كان سرّ الخصب، وسبب استقرار الإنسان، ومحرك الزراعة والتجارة والعمران. النهر لم يكن مجرد مجرى مائي، بل شريان حياة تتكوّن حوله القرى، وتنمو على ضفافه المدن، وتُنسج حوله الحكايات والطقوس والرموز الروحية. كان العراقي القديم يرى في النهر شريكًا في مصيره، لا مجرد أداة في يده.في الحضارات السومرية والبابلية والآشورية، شكّلت الأنهار العمود الفقري للحياة الاقتصادية والاجتماعية. ابتكر العراقيون الأوائل أنظمة ريّ تُعدّ من الأقدم في التاريخ، وشقّوا الجداول، وبنوا السدود الترابية، ونظّموا توزيع المياه وفق قوانين دقيقة. حتى إن بعض الشرائع القديمة اعتبرت الإضرار بالمياه أو إساءة استخدامها جريمة بحق المجتمع. وهذا يكشف أن إدارة الماء كانت وعيًا حضاريًا مبكرًا، لا مجرد مهارة زراعية.لكن المفارقة المؤلمة أن الأرض التي علّمت البشرية فن إدارة المياه تجد نفسها اليوم أمام واحدة من أعقد الأزمات المائية في تاريخها الحديث. فشحّ المياه لم يعد حدثًا موسميًا مرتبطًا بعام جاف أو قلة أمطار، بل أصبح مسارًا متكررًا ينذر بتحول خطير في طبيعة البلاد ومواردها. إنها أزمة تتجاوز الجانب البيئي لتلامس الأمن الغذائي والاستقرار الاجتماعي وحتى السلم الأهلي.تغيّر المناخ يلعب دورًا واضحًا في هذه المعادلة؛ فارتفاع درجات الحرارة وتراجع معدلات الأمطار يضغطان على الموارد المائية المحدودة. لكن العامل المناخي ليس وحده المسؤول. فالسدود المقامة على منابع دجلة والفرات، والتحكم بتدفقات المياه من خارج الحدود، جعلا العراق في موقع المتأثر أكثر من المتحكم. يضاف إلى ذلك تحديات داخلية تتعلق بسوء إدارة الموارد، وضعف البنى التحتية، واستمرار استخدام أساليب ريّ تقليدية تهدر كميات كبيرة من المياه.

انعكاسات هذه الأزمة لم تبقَ في نطاق الأرقام والتقارير، بل ظهرت في تفاصيل الحياة اليومية. مساحات واسعة من الأراضي الزراعية خرجت من الخدمة، ومزارعون تركوا أراضيهم بعد أن خذلتهم المياه، وازدادت الهجرة من الريف إلى المدن بما تحمله من أعباء اجتماعية واقتصادية. كما تدهورت نوعية المياه وارتفعت نسب الملوحة، خصوصًا في جنوب البلاد، حتى باتت بعض المناطق تعاني صعوبة في الحصول على مياه صالحة للشرب.

مؤشر قلق

النهر الذي كان رمز العطاء والطمأنينة تحوّل في نظر كثيرين إلى مؤشر قلق. انخفاض منسوبه لم يعد مجرد مشهد موسمي، بل رسالة إنذار حول مستقبل بلد قامت حضارته على الماء. فحين تضعف الأنهار، لا تتأثر الزراعة وحدها، بل يتأثر الاستقرار، والصحة العامة، وأنماط المعيشة، وحتى الثقافة المرتبطة بالمكان.

الأزمة المائية في العراق ليست أزمة خدمات، بل أزمة هوية أيضًا. فبلاد الرافدين بلا ماء تفقد جزءًا من معناها التاريخي والرمزي. والماء هنا لا يمثّل موردًا اقتصاديًا فقط، بل عنصرًا في الذاكرة الجمعية، وفي صورة العراق كما عرفه العالم وكما عرف نفسه عبر العصور. لذلك فإن تآكل الموارد المائية يمسّ، بصورة غير مباشرة، مفهوم السيادة والقدرة على حماية المستقبل.

معالجة هذا الملف لا يمكن أن تتم عبر حلول مؤقتة أو إجراءات موسمية. المطلوب رؤية وطنية بعيدة المدى، تبدأ بإدارة علمية وعادلة للمياه، وتحديث أنظمة الريّ، وتقليل الهدر، والاستثمار في التقنيات الحديثة لإعادة التدوير والتحلية حيثما أمكن. كما أن الدبلوماسية المائية مع دول الجوار لم تعد خيارًا ثانويًا، بل ضرورة استراتيجية تتطلب حضورًا سياسيًا وقانونيًا فاعلًا.

إلى جانب ذلك، يبقى الوعي المجتمعي عنصرًا أساسيًا. فثقافة ترشيد الاستهلاك وحماية الموارد يجب أن تكون جزءًا من السلوك اليومي، ومن الخطاب الإعلامي والتربوي. فالماء ليس شأنًا حكوميًا فقط، بل مسؤولية جماعية.

لقد علّمنا تاريخ العراق أن الحضارة لا تزدهر بلا ماء، وأن الأنهار حين تضعف يضعف معها الإنسان والعمران. واليوم يقف العراق أمام اختبار حقيقي: إما أن يعيد بناء علاقته الواعية بالماء كما فعل أجداده حين جعلوا منه أساس الحضارة، أو أن يترك النهر يتراجع بصمت، حاملاً معه جزءًا من ذاكرة المكان وروحه.

فالمعركة على الماء ليست معركة خدمات أو سياسات عابرة، بل معركة على البقاء ذاته، وعلى حق الأجيال القادمة في وطن ما زال جديرًا بأن يُسمّى أرض الرافدين.

 

 


مشاهدات 50
الكاتب هدى زوين
أضيف 2026/02/08 - 2:47 PM
آخر تحديث 2026/02/09 - 10:01 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 354 الشهر 6376 الكلي 13938020
الوقت الآن
الإثنين 2026/2/9 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير